تفسير فاتحة الكتاب

العلامة الأميني

تفسير فاتحة الكتاب

المؤلف:

العلامة الأميني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام العامّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٢٥٣

١
٢

٣
٤

بين يدى الكتاب

بسم الله الرّحمن الرّحيم

لم يكن بوسع أيّ عالم أو باحث في التعريف بكتاب الله العزيز أن يفيه حقّه في البحث عن أية ناحية من نواحية ، وإن اوتي من البيان قسطه الاوفى ، ومن العلوم حظّه الاوفر.

إنّ كنه كلام المولى جلّ إسمه لا يقف عليه وعلى اسراره إلّا من ارتضاه واختصه وانتجاه من بريته ، فالعقول المحدّدة المقيّدة لم يتأت لها خوض غمار ذلك البحر الخضمّ ، ودرك رموز تلك المعجزة الخالدة ، وما اشتملت عليه من اسرار هذه الحياة الدنيا من حين نشأتها حتّى نهايتها.

إنّ كتاب الله الكريم ببلاغة بيانه وفصاحة اسلوبه حيّر عقول البلغاء وفطاحل اللغة :

(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)(١).

وبما حوى من المعارف ، والعلوم ، والاسرار الكونيّة أثبت أنه كلام الله الّذي لا يبلى مع الجديدين ، وأنّه أجلّ من أن يحيط بكنهه

__________________

(١) الاسراء : ٨٨.

٥

وصف الواصفين ، والاعتراف بالعجز بين يدي :

(كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)(١).

خير من ولوج معترك سفر تتصاغر دون عظمته همم النوابغ والفطاحل.

إنّ اعجاز القرآن لم يقف عند هذا الحدّ! بل كل ناحية من نواحيه معجزة في ذاتها.

فد ساتيره العقائدية ، وقوانينه التشريعية ، وانظمته الرصينة تحقق للبشرية أبلغ ما تتطلع إليه من سعادة في تدبير شؤون الحياة.

فكما أنه كتاب توحيد وايمان .. وكتاب تشريع وسنن .. وكتاب تأمل وعبادات .. وكتاب بلاغة وأدب .. فهو قبل كلّ ذلك كتاب جمع فاوعى ، فيه تبيان كلّ شيء (وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)(٢) ، ففيه اصول كل العلوم ، وفيه الحكمة والموعظة الحسنة ، وفيه كل ما يتطلبه ويحتاج إليه الانسان في نشأتيه : الدنيوية والاخروية.

ويصف أمير المؤمنين ـ سلام الله عليه ـ كتاب الله الكريم في خطبة بليغة يقول فيها :

«ثمّ أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه ، وسراجا لا يخبو توّقده ، وبحرا لا يدرك قعره ، ومنهاجا لا يضلّ نهجه ، وشعاعا لا يظلّم ضوؤه ، وفرقانا لا يخمد برهانه ، وتبيانا لا تهدم أركانه ، وشفاء لا تخشى أسقامه ، وعزّا لا تهزم أنصاره ، وحقّا لا تخدل أعوانه. فهو معدن الايمان وبحبوحته ، وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ،

__________________

(١) هود : ١.

(٢) النحل : ٨٩.

٦

وأثافيّ الأسلام وبنيانه ، وأودية الحقّ وغيطانه. وبحر لا ينزفه المستنزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون ، ومنازل لا يضلّ نهجها المسافرون ، وأعلام لا يعمى عنها السائرون ، وآكام لا يجوز عنها القاصدون. جعله الله ريّا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ، ومحاجّ لطرق الصلحاء ، ودواء ليس بعده داء ، ونورا ليس معه ظلمة ، وحبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وعزّ المن تولّاه ، وسلما لمن دخله ، وهدى لمن ائتمّ به ، وعذرا لمن انتحله ، وبرهانا لمن تكلّم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، وفلجا لمن حاجّ به ، وحاملا لمن حمله ، ومطيّة لمن أعمله ، وآية لمن توّسم ، وجنّة لمن استلأم ، وعلما لمن وعى وحديثا لمن روى ، وحكما لمن قضى» (١).

وقد وهب الله غوامض اسرار كتابه السماوي ، وخفايا آياته البيّنات ـ مما لم يظهر عليه أحدا من عباده ـ إلى خاتم رسله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

«عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلّا من ارتضى من رسول» (٢).

وقد أودع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل ذلك أوصياءه وخلفاءه من بعده الّذين قرن الله طاعتهم بطاعته ، وموالاتهم بموالاته. فهم الّذين تدّبروا عنه رسالة ربّه ، وغاصوا بحار اليقين ، وبلغوا من العلوم والمعارف الالهية ذروة الكمال ، على بصيرة من أمرهم ، وهدى من ربّهم باوفى واتمّ مراتبه ومدارجه وراثة عن النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان أمير المؤمنين عليه‌السلام أوّل

__________________

(١) نهج البلاغة ج ٣ : ٦٩ ـ ٧٠.

(٢) الجن : ٢٧ ـ ٢٨.

٧

من تكلّم في تفسير القرآن من أصحاب رسول الله وهو أعلم المسلمين بكتاب الله وتأويله بلا منازع.

روى ابن مسعود قال : «إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف ، ما منها حرف الّا وله ظهر وبطن ، وإنّ عليّا عنده علم الظاهر والباطن» (١).

وقال السيد أحمد زيني دحلان في الفتوحات الاسلامية :

«كان عليّ ـ رضي الله عنه ـ أعطاه الله علما كثيرا ، وكشفا غزيرا ، قال أبو الطفيل : شهدت عليا يخطب وهو يقول : سلوني من كتاب الله فو الله ما من آية إلّا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ، أم في سهل أم في جبل ، ولو شئت أوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب.

وقال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ : علم رسول الله من علم الله تبارك وتعالى وعلم عليّ ـ رضي الله عنه ـ من علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلمي من علم عليّ ـ رضي الله عنه ـ ، وما علمى وعلم أصحاب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم في علم عليّ ـ رضى الله عنه ـ إلّا كقطرة في سبعة أبحر. ويقال : إنّ عبد الله بن عباس أكثر البكاء على عليّ ـ رضى الله عنه ـ حتّى ذهب بصره.

وقال ابن عباس أيضا : لقد اعطي عليّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم ، وأيم الله لقد شارك الناس في العشر العاشر» (٢).

والعترة الهادية أعلم الناس باسرار كتاب الله الحكيم بعد جدّهم الطاهر وأبيهم سلام الله عليه ، فهم منار الهدى ، وينابيع الايمان واليقين ، وبيوتهم مهبط وحى الله المبين.

__________________

(١) الغدير ج ٢ : ٤٥. وج ٣ : ٩٩

(٢) الغدير ج ٢ : ٤٥.

٨

ولجلالة كتاب الله ، وعلوّ قدره ، ورفعة منزلته اهتمّ علماء المسلمين في تفسيره ، وبيان علومه ، وكشف اسراره ، وركنوا في ذلك إلى ما اثر عن النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعترته الهادين ، للنهي الصادر عنهم عن التفسير بالرأى.

فكلّ من فسرّ القرآن بأسره ، أو إهتمّ ببعض سوره وآياته ، أو بحث في علومه واسراره لم يربّدا في ذلك من اللجوء إلى ما روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما اثر عن علىّ عليه‌السلام وأولاده الميامين.

وقد بذل جمع من علمائنا الفطاحل في مختلف العصور عناية خاصّة بتفسير سورة الفاتحة ، وكشف شىء من غوامضها واسرارها ، وبيان ما اشتملت عليه من العلوم العقلية والنقلية ، وأفردوا لها تفسيرا لجامعيّتها ولانّها امّ القرآن وأساسه.

ومن تلك الصفوة الخيّرة ، والسلف الصالح ، شيخ الحفّاظ والمحدّثين شيخنا الوالد الامينىّ ـ طاب ثراه ـ فهو من أعلام الاسلام الّذين نذروا حياتهم ، وضحّوا بأنفسهم ، وكرّسوا جلّ طاقاتهم فى سبيل اعلاء كلمة الدين ، ونشر الاسلام ، وخدمة الصالح العام ، غير عابئين بالراحة والاستقرار ، واستطاعوا بمثل هذا التفانى والجهاد فى خدمة المذهب توسعة دائرة التبليغ الدينىّ ، ونشر معارف الاسلام إلى العالم من أقصاه الى اقصاه ، والسير بالمسلمين نحو الرقىّ والكمال.

ولم يكن شيخنا الوالد ـ رحمه‌الله ـ يحسّ بخطورة أمر فى الحياة أكثر من المسؤلية الدينيّة تجاه نحلته وأمّته ، لذلك لم يفتر لحظة من ساعاته عن التأليف ، والمطالعة ، والتحقيق ، والوعظ ، والارشاد فى حضره

٩

وسفره ، وبذل كلّ غال ورخيص دون الحفاظ على التراث الاسلامى ، وصيانته عن التلف والضياع ، غير مبال بثقل العبء وفداحة الجهد ، رغم ما نال من تناوشات الحاقدين والمناوئين من كلّ حدب وصوب.

وقد ترك ـ رحمه‌الله ـ ثروة علمية ضخمة من التأليف والتحقيق فى شتى الحقول والمواضيع الاسلامية من التفسير ، والحديت ، والتاريخ والعقائد إلى غير ذلك. ومن بينها كتابه هذا «تفسير فاتحة الكتاب» فهو وإن صغر حجمه إلّا أنّ مؤلفه ـ قدّس الله سره ـ أودع فيه بحوثا هامّة. وجعله في فصلين. تطرق فى الاول إلى تفسير السورة ، وفى الثانى إلى تحليلها وبيان شيء من دقائقها ، وتوضيح ما يستفاد من آياتها الكريمة فى التوحيد والقضاء والقدر والجبر والتفويض. مستفيدا كل ذلك مما روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعترته الغرّ الميامين.

وقد أضفت للكتاب فصلا ثالثا هو «تكملة التعاليق» جمعت فيه نصوص الأحاديث الّتى استدل بها شيخنا الوالد ضمن حديثه فى الفصلين المذكورين.

ولشيخنا الوالد ـ طاب رمسه ـ دراسات قرآنية فى تفسير وتوضيح جملة من الآيات الكريمة والكلام حول مفادها ومنطوقها ، وبيان شأن نزولها. غير أنّ إنصرافه إلى سفره الخالد «الغدير» لم يدع له مجالا لطبع آثاره هذه ونشرها. فمن تصانيفه في التفسير كتاب :

في تفسير قوله تعالى : (قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ..)(١).

وكتاب في تفسير قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ

__________________

(١) غافر : ١١.

١٠

ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ..)(١).

وكتاب في تفسير قوله تعالى : (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ..)(٢).

وكتاب في تفسير قوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ..)(٣).

وفي الاجزاء المطبوعة والمخطوطة من كتاب «الغدير» بحوث تحليلية مسهبة ، ودراسات وافية لطائفة من الآيات الكريمة النازلة في العترة الطاهرة وهي قوله تعالى :

(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ..)(٤).

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ..)(٥).

(سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ..)(٦).

(أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ..)(٧).

(أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً ..)(٨).

(هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ..)(٩).

__________________

(١) الاعراف : ١٧٢.

(٢) الواقعة : ٧.

(٣) الاعراف : ١٨٠.

(٤) المائدة : ٦٧.

(٥) المائدة : ٣.

(٦) المعارج : ١.

(٧) الزمر : ٢٢.

(٨) السجدة : ١٨.

(٩) الاتفال : ٦٢.

١١

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ..)(١).

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ..)(٢).

(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ..)(٣).

(أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ ..)(٤).

(سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا)(٥).

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ..)(٦).

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)(٧).

(وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ..)(٨).

(قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(٩).

(وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ)(١٠).

(هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ..)(١١).

__________________

(١) الانفال : ٦٤.

(٢) الاحزاب : ٢٣.

(٣) المائدة : ٥٥.

(٤) التوبة : ١٩.

(٥) مريم : ٩٦.

(٦) الجاثية : ٢١.

(٧) البينة : ٧.

(٨) العصر : ٢.

(٩) الشورى : ٢٣.

(١٠) الاعراف : ٤٦.

(١١) الانسان : ١.

١٢

إلى عشرات لدة هذه من الآيات الكريمة النازلة في مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام وعترته الطاهرين ، مدعمة بالاحاديث النبويّة الشريفة.

وكان في نيّة شيخنا الوالد ـ رحمه‌الله ـ إفراد مؤلّف لهذه الآيات وقد جمع الكثير منها في مجموعة خاصّة اسماها «الآيات النازلة في العترة الطاهرة» إلّا أنه وبعد أن تصدى في الجزء الرابع عشر من سفره الخالد «الغدير» إلى تصحيح أسانيد ما أثر من المناقب عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عترته الهادين في بحث «مسند المناقب ومرسلها» دمج بحوث تلك الآيات في ذلك واستغنى عن تصنيف كتاب مستقل فيه.

وهذا التفسير «فاتحة الكتاب» هو باكورة تصانيف شيخنا الوالد ـ طاب ثراه ـ واولى خطواته في التأليف. لذلك كان يرى من الضروري إعادة النظر فيه لتهذيبه وتنقيحه والتبسط في بحوثه وفصوله ، وإعطاء البحث حقّه في شتى نواحيه ، والتوسّع في مصادره ، وتطوير بيانه.

إلّا أنّ انهما كه وانكبابه ليل نهار على بحوث سفره الخالد «الغدير» ومسؤلياته تجاه مكتبته العامّة العالميّة لم يدعاله مجالا للمبادرة إلى تحقيق سائر أمانيه وآماله.

و «مكتبة الامام أمير المؤمنين عليه‌السلام العامّة في النجف الاشرف» هي من حسنات الدهر ومآثر شيخنا الوالد : الاميني طاب ثراه.

فهو ـ رحمه‌الله ـ خلال نهضته العلمية ، وخوضه ميدان التأليف والتحقيق وقف على ما كان يعانيه المؤلف والمحقق في جامعة النجف الاشرف من عناء دون الحصول على بغيته من المصادر المطبوعة والمخطوطة الخاصة

١٣

ببحثه ودراسته.

إنّ مسيس حاجة جامعتنا الاسلامية الكبرى ـ النجف الاشرف ـ إلى مكتبة عامّة تضمّ كلّما يتطلبه الباحث والمؤلّف من مصادر ووسائل الراحة والاستقرار في سبيل هدفه السامى ، وتحقيق رسالته الخالدة دعت شيخنا الاميني إلى أن يشمّر عن ساعد الجدّ بانشاء هذه المكتبة العامّة الّتي هي من أياديه البيضاء ، ومساعيه المشكورة ، وحسناته الخالدة في تطوير الحركة العلمية ، ورفع المستوى الثقافي لتلك المدينة المقدسة.

وستبقى هذه الخدمة الثقافيّة خالدة على مرّ العصور ، وسيسجل التأريخ بمداد من نور لمؤسسها ـ المجاهد الاميني ـ اجمل آيات الشكر والتقدير لهذه الخطوة الاصلاحية ولما هيّأ في ذلك الصرح الاسلامي من وسائل في تطوير الحركة العلمية ، والنهوض بالنشاط الفكرى ، وسدّ حاجة العلماء والمثقفين والباحثين من المصادر الاسلامية.

إنّ المكتبة قد اسدت ـ منذ تأسيسها حتى حين ـ خدمات علمية وثقافية كبرى للملأ الثقافي ، واستطاعت بسعي مؤسسها وباني كيانها ، وبجهود القائمين على إدارتها تمهيد الجوّ الملائم لمطالعة ٤٥٨٠٠ شخصا ـ عشرة اشهر في كل عام ـ من الواردين إليها للمطالعة من العراق والبلاد العربية والاسلامية. وأقتنت خلال اعوام قصيرة كميّة ضخمة من المصادر المطبوعة والمخطوطة في شتى العلوم والفنون وبمختلف اللغات. كما صوّرت مكتبة من المخطوطات الفريدة النفيسة من كتب المكتبات العامّة في البلاد الاسلامية وغيرها على اشرطة المايكروفلم ، ونقلت جملة وافية منها على الورق الخاص (المحسّس) وجعلتها في متناول ايدى المراجعين والباحثين.

١٤

وإلى جانب هذه الخدمات أهدت المكتبة أكثر من ثلاثة آلاف مجلدا من المطبوعات العلمية إلى المكتبات العامّة ، والمجامع الثقافيّة في العالم.

إنّ اسرة تولية ـ مكتبة الامام أمير المؤمنين عليه‌السلام القاطنين في طهران رأت من الضروري تأسيس فرع للمكتبة بطهران ـ عاصمة الدولة الشيعية ـ تخليدا لذكرى مؤسس هذا الصرح العلمى ، ولتحقيق اهدافه والسير على خطاه في سبيل الدعوة الدينيّة ، ونشر التراث العلمي لسلفنا الصالح وفي مقدّمها تأليف شيخنا الراحل بطل الجهاد الديني : الاميني رحمه‌الله (المخطوطة والمطبوعة) وتعميم الاستفادة منها في ارجاء المعمورة.

وتحقيقا لجزء من هذا الهدف السامي ارتأت اصدار سلسلة تضم بحوثا ودراسات علميّة في التفسير ، والحديث ، والتاريخ ، والعقائد ، بقلم كبار المؤلّفين والباحثين من علماء الاسلام الفطاحل معنونة ب «ذخائر الفكر الاسلامي» وتيمنا بذكر كتاب الله الكريم جعلت العدد الاول من السلسلة المذكورة هذا الاثر الخالد «تفسير فاتحة الكتاب» ومن الله نستمد العون والتوفيق في إدامة هذا النضال الديني واقامة هذا المشروع العلميّ المقدّس. والله من وراء القصد وإليه السبيل.

الامين العام للمكتبة

رضا

الاميني النّجفي

١٥
١٦

الفصل الاول

تفسير السّورة

أسماء السورة. جامعيّة السورة للعلوم القرآنيّة. النواحي المشتركة بين الفاتحة والقرآن. الاستشفاء بالفاتحة. في الأمل بغير الله. وفي الرياء والسمعة. وفي الحقد والحسد. وفي الشح والبخل. وفي الجبن والأمل.

١٧

١٨

هذه السورة الكريمة تسمّى باسماء تعرب عن فوائد جمّة لا يستهان بها ، منها :

«المثانى» : كما فيما رواه العياشي باسناده عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «إذا كانت لك حاجة فاقرأ «المثاني» وسورة اخرى ، وصلّ ركعتين ، وادع الله قلت : أصلحك الله وما المثاني؟ قال : فاتحة الكتاب». الحديث (١) و :

«السبع المثانى» : كما وردت في غير واحد من الأخبار (٢).

وقد سمّاها المولى سبحانه بهذا الاسم في كتابه بقوله : (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)(٣).

__________________

(١) تفسير العياشى ج ١ : ٢٢ ط ـ قم : ١٣٨٠ ه‍.

(٢) روى الصدوق فى عيون اخبار الرضا ج ١ : ٣٠٠ ، قال : «قيل لامير المؤمنين عليه‌السلام : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» أهى من فاتحة الكتاب؟ فقال : نعم ، كان رسول الله (ص) يقرؤها ويعدها آية منها ، ويقول : فاتحة الكتاب هى السبع المثانى».

وفى هذا المعنى احاديث اخرى أوردناها فى الفصل الثالث ، التعليقة رقم ـ ١.

(٣) سورة الحجر : ٨٧.

١٩

وهذه الآية تقرئنا دروسا عالية في جامعيّة هذه السورة لكلّيات ما يوجد في الكتاب الكريم من المعارف الالهية ، والعلوم الدينيّة ، وتعرب عن أنّها صورة مصغّرة للقرآن وهي مجملة وهو يفّصلها ، ولذلك قابل بينهما وجعل الامتنان بها على النبيّ الأعظم قرين الامتنان بالقرآن العظيم ، كما نصّ به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث ورد في شأن الآية الشريفة قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «فأفرد الامتنان عليّ بفاتحة الكتاب ، وجعلها بازاء القرآن العظيم» (١).

فهذا الافراد يوعز إلى جامعيّة السورة ، كما يعرب عنها تسميتها ب :

«ام الكتاب» : كما في حديث العيّاشي عن الامام الصادق عليه‌السلام (٢).

وفي حديث آخر في ثواب الأعمال عنه عليه‌السلام (٣) وفي ثالث رواه عليّ ابن إبراهيم في تفسيره عنه أيضا (٤) وكذلك تسميتها ب :

«ام القرآن» : كما في رواية عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن أبي عبد الله عليه‌السلام (٥) وذلك أنّ امّ الشيء هو جامعه ، والاصل الّذي يتفرع منه ، كما يقال لمكّة امّ القري ، لدحو الارض من تحتها ، وللجلدة الجامعة لاجزاء الدماغ امّ الرأس ، وللنار المحيطة على العصاة امّ الانسان كما في قوله تعالى : (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ)(٦) فيظهر من هذه كلّها انّ في هذه السورة دروسا عالية من المعارف الالهية ، وعلوما جمة مما يفصّله

__________________

(١) راجع تمام الحديث فى الفصل الثالث ، التعليقة رقم ـ ٢.

(٢ و ٣ و ٤) راجع الفاظ احاديثها فى الفصل الثالث ، التعليقة رقم ـ ٣.

(٥) لم نقف على الحديث فى تفسير القمى ، وقد أوردنا جملة مما اثر عن المعصومين عليهم‌السلام وسمى فيها فاتحة الكتاب ب «ام القرآن» فى الفصل الثالث ، التعليقة رقم ـ ٤.

(٦) القارعة : ٩.

٢٠