العلامة الحلّي
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-319-438-3
الصفحات: ٥٥٥



بسم اللّه الرحمن الرحيم
المقصد السابع: في الإجارة
و فيه فصول :
الأوّل: الماهيّة
الإجارة عقد يقتضي تمليك المنفعة خاصّة بعوض معلوم لازم في حقيقتها.
استعمال لفظي الاجارة و الاكتراء في عقد ها
و يستعمل في هذا العقد لفظان :
أحدهما: الإجارة، و هي و إن اشتهرت في العقد فهي في اللغة اسم للأجرة، و هي كراء الأجير.
و نقل بعضهم أنّه يقال لها: أجارة أيضا بالضمّ (١) .
و يقال: استأجرت دار فلان، و آجرني داره و مملوكه، يؤجرها إيجارا، فهو مؤجر، و ذاك مؤجر، و لا يقال: مؤاجر، و لا: آجر.
أمّا المؤاجر فهو من قولك: أجر الأجير مؤاجرة، كما يقال: نازعه و عامله.
و أمّا الآجر فهو فاعل قولك: أجره يأجره أجرا: إذا أعطاه أجره، أو قولك: أجره يأجره: إذا صار أجيرا له.
و قوله تعالى: ( عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ) (٢) فسّره بعضهم
__________________
(١) كما في العزيز شرح الوجيز ٧٩:٦.
(٢) سورة القصص:٢٧.
بالمعنى الأوّل، فقال: تعطيني من تزويجي إيّاك رعي الغنم هذه المدّة (١) ، و بعضهم بالثاني، فقال: تصير أجيري (٢) .
و إذا استأجرت عاملا لعمل، فأنت أجير بالمعنى الأوّل؛ لأنّك تعطي الأجرة، و هو أجير بالمعنى الثاني؛ لأنّه يصير أجيرا لك.
و «أجره اللّه» لغة في «آجره» أي أعطاه أجره.
و الأجير فعيل بمعنى مفاعل، كالجليس و النديم.
اللفظة الثانية: الاكتراء، يقال: أكريت الدار، فهي مكراة، و يقال : اكتريت و استكريت و تكاريت بمعنى، و رجل مكاري، و الكري على فعيل : المكاري و المكتري أيضا.
و الكراء و إن اشتهر اسما للأجرة فهو في الأصل مصدر «كاريته».
إذا عرفت هذا، فالإجارة عقد يشتمل على إيجاب و قبول في عرف الشرع.
مسألة ٥١٠: هذا العقد جائز بالنصّ و الإجماع.
قال اللّه تعالى: ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (٣) فأوجب لهنّ الإجارة، فدلّ ذلك على جواز أخذ عوض المنافع.
و اختلف في أنّ الإجارة على الحضانة و اللبن تابع، أو على اللبن ؟
و قال تعالى: ( ... يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ) (٤) .
__________________
(١و٢) كما في العزيز شرح الوجيز ٧٩:٦.
(٣) سورة الطلاق:٦.
(٤) سورة القصص:٢٦ و ٢٧.
و قال تعالى في قصّة الخضر و موسى عليهماالسلام: ( فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) (١) .
و روى العامّة عن أبي هريرة أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: (اعطوا الاجير اجرته قبل ان يجف عرقه) (٢) .
وعن أبي هريرة أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: «قال ربّكم: ثلاثة أنا خصمهم، و من كنت خصمه خصمته: رجل أعطاني عهدا ثمّ غدر، و رجل باع حرّا فأكل ثمنه، و رجل استأجر أجيرا فاستوفى عمله و لم يوفه أجره» (٣) .
و عن ابن عباس في قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ) (٤) : أن يحجّ الرجل و يؤاجر نفسه (٥) .
و من طريق الخاصّة: ما رواه عليّ بن يقطين عن الكاظم عليهالسلام: عن الرجل يتكارى من الرجل البيت أو السفينة سنة أو أكثر من ذلك أو أقلّ، قال: «الكراء لازم إلى الوقت الذي تكارى إليه، و الخيار في أخذ الكراء إلى ربّها إن شاء أخذ و إن شاء ترك» (٦) .
و في الحسن عن هشام بن الحكم عن الصادق عليهالسلام في الحمّال
__________________
(١) سورة الكهف :٧٧ .
(٢) السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٢٠:٦، الفردوس ١ : ١٠٦ / ٣٥٤ ، مشكل الآثار ٤:١٤٢، حلية الأولياء ١٤٢:٧، الحاوي الكبير ٣٨٩:٧، نهاية المطلب ٦٦:٨، البيان ٢٤٧:٧، المغني ١٨:٦، الشرح الكبير ١٥٥:٦.
(٣) صحيح البخاري ١١٨:٣، سنن ابن ماجة ٢ : ٨١٦ / ٢٤٤٢ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ١٤:٦ و ١٢١، مسند أحمد ٣ : ٤٠ / ٨٤٧٧ بتفاوت يسير.
(٤) سورة البقرة:١٩٨.
(٥) كما في الخلاف ٤٨٧:٣، المسألة ١ من كتاب الإجارة.
(٦) الفقيه ٣ : ١٥٩ / ٦٩٧ ، التهذيب ٢٠٩:٧ ـ ٢١٠ / ٩٢٠.
و الأجير، قال: «لا يجفّ عرقه حتى تعطيه أجرته» (١) .
و عن شعيب قال: تكارينا للصادق عليهالسلام قوما يعملون له في بستان له و كان أجلهم إلى العصر، قال: فلمّا فرغوا قال: «يا شعيب (٢) أعطهم أجورهم قبل أن يجفّ عرقهم» (٣) .
و عن ابن سنان عن أبي الحسن عليهالسلام، قال: سألته عن الإجارة، فقال : «صالح لا بأس به إذا نصح قدر طاقته، فقد آجر موسى عليهالسلام نفسه [و اشترط] (٤) فقال: إن شئت ثمانا، و إن شئت عشرا، فأنزل اللّه تعالى فيه ( أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ) (٥) » (٦) .
و لا ينافي ذلك رواية عمّار عن الصادق عليهالسلام، قال: قلت له: الرجل يتّجر فإن هو آجر نفسه أعطي ما يصيبه في تجارته، فقال: «لا يؤاجر نفسه، و لكن يسترزق اللّه عزّ و جلّ و يتّجر، فإنّه إذا آجر نفسه حظر على نفسه الرزق» (٧) لأنّه للكراهة؛ حيث يمتنع به من التجارة و هي أبرك.
و الأخبار في ذلك كثيرة.
و أمّا الإجماع فلا خلاف بين علماء الأمصار في جميع الأعصار في جواز عقد الإجارة، إلاّ ما يحكى عن عبد الرحمن الأصمّ أنّه قال: لا يجوز؛
__________________
(١) الكافي ٢٨٩:٥ (باب كراهة استعمال الأجير...) ح ٢، التهذيب ٧ : ٢١١ / ٩٢٩ .
(٢) في المصدر:«يا معتب» بدل «يا شعيب».
(٣) الكافي ٢٨٩:٥ (باب كراهة استعمال الأجير...) ح ٣، التهذيب ٧ : ٢١١ / ٩٣٠ .
(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(٥) سورة القصص:٢٧.
(٦) الكافي ٥ : ٩٠ / ٢ ، الفقيه ٣ : ١٠٦ / ٤٤٢ ، التهذيب ٦ : ٣٥٣ / ١٠٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٥٥ / ١٧٨ بتفاوت يسير.
(٧) الكافي ٥ : ٩٠ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٣٥٣ / ١٠٠٢ ، الاستبصار ٣ : ٥٥ / ١٧٧ .
لأنّ ذلك غرر، و النبيّ صلىاللهعليهوآله نهى عن الغرر، يعني أنّه يعقد على منافع مستقبلة لم تخلق (١) .
و هذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع.
لما تقدّم من النصوص، و أيضا الحاجة داعية إليه، و الضرورة ماسّة له، فإنّه ليس لكلّ أحد دار يسكنها، و لا خادم يخدمه، و لا يلزم غيره أن يسكنه داره و لا يخدمه تبرّعا، و كذلك أصحاب الصنائع يعملون ذلك بأجرة، و لا يمكن أن يعمل ذلك و لا يجدون متطوّعا من الإجارة لذلك، بل ذلك ممّا جعله له طريقا للرزق، حتى أنّ أكثر المكاسب بالصنائع، فلو لا تسويغ هذا العقد لزم الحرج و تعطيل أمور الناس بأسرها، و هو مناف للحكمة.
و العلم به ضروريّ، و الغرر لا معنى له مع هذه الحاجة الشديدة، و العقد على المنافع لا يمكن بعد وجودها؛ لأنّها تتلف بمضيّ الساعات، فدعت الضرورة و الحاجة الشديدة إلى العقد عليها قبل وجودها.
واشتقاق الإجارة من الأجر، و هي الثواب، تقول: آجرك اللّه، أي: أثابك.
__________________
(١) الحاوي الكبير ٣٨٨:٧، نهاية المطلب ٦٥:٨، بحر المذهب ٢٦٥:٩، حلية العلماء ٣٨٢:٥، البيان ٢٤٦:٧، العزيز شرح الوجيز ٨٠:٦، المغني و الشرح الكبير ٦:٦.
الفصل الثاني: في الأركان
و هي أربع :
الأوّل: المتعاقدان.
يشترط في المؤجر و المستأجر شروط :
الأوّل: البلوغ، فلا تنعقد إجارة الصبي إيجابا و لا قبولا، سواء كان مميّزا أو لا، و سواء أذن له الولي أو لا؛ إذ لا عبرة بعبارة الصبي.
الثاني: العقل، فلا يصحّ عقد المجنون، سواء كان الجنون مطبقا أو أدوارا.
و لو كان يعتوره فآجر في حال إفاقته، صحّ؛ لوجود الشرط حينئذ.
الثالث: أن يكون مختارا، فلا عبرة بعقد المكره عليه؛ لقوله تعالى: ( إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ) (١) و لا رضا للمكره على الفعل.
الرابع: أن يكون قاصدا، فلو تلفّظ الساهي و النائم و الغافل و السكران و المغمى عليه و شارب المرقد، لم يعتبر بعقده.
الخامس: ارتفاع الحجر عن العاقد، فلا تنعقد إجارة المحجور عليه للسفه و لا للفلس؛ لأنّهما ممنوعان من التصرّفات الماليّة.
السادس: أن يكون المؤجر مالكا للمنفعة التي وقعت الإجارة عليها، أو وكيلا له، أو وليّا عليه، فلو عقد الفضولي كان العقد موقوفا، إن أجازه
__________________
(١) سورة النساء:٢٩.
مالك المنفعة أو من يلي أمره جاز، و إلاّ فلا.
مسألة ٥١١: حكم اجارة العين المستاجر من غير الموجر و لا يشترط أن يكون المؤجر مالكا للعين التي تعلّقت المنفعة بها، بل أن يكون مالكا للمنفعة و إن كانت العين مملوكة للغير، فلو استأجر دارا أو دابّة أو غيرهما من الأعيان التي يصحّ استئجارها، جاز له أن يؤجرها من غيره، عند علمائنا أجمع ـ و به قال سعيد بن المسيّب و ابن سيرين و مجاهد و عكرمة و أبو سليمان بن عبد الرحمن و النخعي و الشافعي و أصحاب الرأي و أحمد في إحدى الروايتين (١) ـ لأنّه قد ملك المنفعة على حدّ ملك مالك العين لها، فجاز نقلها منه إلى غيره، كما جاز نقل مالك العين لها، و للأصل.
و لما رواه الحلبي ـ في الحسن ـ عن الصادق عليهالسلام قال: «لو أنّ رجلا استأجر دارا بعشرة دراهم و سكن بيتا منها و آجر بيتا منها بعشرة دراهم لم يكن به بأس، و لا يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها، إلاّ أن يحدث فيها شيئا» (٢) .
و الرواية الثانية عن أحمد: إنّه لا يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة و إن كانت مقبوضة؛ لأنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله نهى عن ربح ما لم يضمنه (٣) ، و المنافع لم تدخل في ضمانه، و لأنّه عقد على ما لم يدخل في ضمانه، فلم يجز، كبيع المكيل و الموزون قبل قبضه (٤) .
__________________
(١) المغني ٦١:٦، الشرح الكبير ٤٩:٦، الحاوي الكبير ٤٠٨:٧، نهاية المطلب ٨٣:٨، البيان ٣٠٦:٧، العزيز شرح الوجيز ١٤٣:٦ و ١٨٧، روضة الطالبين ٤:٢٩٥ و ٣٢٥، مختصر اختلاف العلماء ١٢٦:٤ ـ ١٢٧ / ١٨٢٣، المبسوط ـ للسرخسي ـ ١٣٠:١٥، المحيط البرهاني ٤٢٩:٧.
(٢) التهذيب ٧ : ٢٠٩ / ٩١٩ .
(٣) شرح معاني الآثار ٤٠:٤.
(٤) المغني ٦١:٦، الشرح الكبير ٤٩:٦.
و هو غلط؛ لأنّ قبض العين قام مقام قبض المنافع؛ بدليل أنّه يجوز التصرّف فيها، فجاز العقد عليها، كبيع الثمرة على الشجرة، فيبطل القياس بهذا الأصل.
مسألة ٥١٢: و كما تجوز إجارة العين المستأجرة بعد القبض، كذا تجوز إجارتها قبل القبض من غير المؤجر ـ و هو قول بعض الشافعيّة (١) ـ لأنّ قبض العين لا ينتقل به الضمان إليه، فإذا كان القبض لا يتعلّق به انتقال الضمان فلم يقف جواز التصرّف عليه، و لأصالة الجواز.
و المشهور من قول الشافعي: المنع ـ و به قال أبو حنيفة و أحمد في إحدى الروايتين ـ لأنّ المنافع مملوكة بعقد معاوضة، فاعتبر في جواز العقد عليها القبض، كالأعيان (٢) .
و الحكم في الأصل ممنوع، و بالفرق بما تقدّم.
و أمّا لو آجرها من المؤجر قبل القبض، فإنّه يجوز أيضا.
و من منع من إجارتها قبل القبض لغير المؤجر فله هنا و جهان :
أحدهما: المنع أيضا؛ لأنّه عقد عليها قبل قبضها، فلم يجز كالأجنبيّ.
و الثاني: الجواز؛ لأن القبض هنا غير متعذّر عليه، بخلاف الأجنبيّ (٣) .
و الأصل في بيع الطعام قبل قبضه لا يصحّ من غير بائعه رواية واحدة
__________________
(١) نهاية المطلب ٨٣:٨، بحر المذهب ٢٨٠:٩، البيان ٣٠٧:٧، المغني ٦:٦١، الشرح الكبير ٤٩:٦.
(٢) نهاية المطلب ٨٣:٨، بحر المذهب ٢٨٠:٩، البيان ٣٠٧:٧، المغني ٦:٦١، الشرح الكبير ٤٩:٦ ـ ٥٠.
(٣) بحر المذهب ٢٨٠:٩، البيان ٣٠٧:٧، المغني ٦١:٦، الشرح الكبير ٥٠:٦.
عن أحمد، و هل يصحّ من بائعه ؟ على روايتين (١) .
و أمّا إجارتها بعد قبضها من المؤجر فإنّها جائزة ـ و به قال الشافعي و أحمد (٢) ـ لأنّ الأصل الجواز، و لأنّ المنفعة قابلة للنقل، و المؤجر أهل لتملّكها كغيره، فجاز العقد معه كغيره، و لأنّ كلّ عقد جاز مع غير العاقد جاز مع العاقد، كالبيع.
و قال أبو حنيفة: لا يجوز، و إلاّ لزم تناقض الأحكام؛ لأنّ التسليم مستحقّ على المؤجر، فإذا آجرها منه صار التسليم حقّا له، فيصير مستحقّا لما يستحقّ عليه، و هو تناقض (٣) .
و هو غلط؛ لأنّ التسليم قد حصل، و الذي يستحقّه بعد ذلك تسليم آخر، ثمّ يبطل بالبيع؛ فإنّه يستحقّ عليه تسليم العين، فإذا اشتراها استحقّ تسليمها.
فإن قيل: التسليم هاهنا مستحقّ في جميع المدّة، بخلاف البيع.
قلنا: المستحقّ تسليم العين و قد حصل، و ليس عليه تسليم آخر، غير أنّ العين في ضمان المؤجر، فإذا تعذّرت المنافع بتلف الدار أو غصبها، رجع عليه؛ لأنّها تعذّرت بسبب كان في ضمانه.
مسألة ٥١٣: يجوز للمؤجر أن يؤجر ما استأجره بأزيد ممّا استأجره و بأقلّ و بالمساوي، سواء أحدث فيها حدثا من عمارة و شبهها أو لا، عند أكثر علمائنا ـ و به قال عطاء و الحسن البصري و الزهري و الشافعي و أبو ثور و ابن المنذر و أحمد في إحدى الروايتين (٤) ـ لأنّه عقد يجوز برأس المال
__________________
(١) المغني ٦١:٦ ـ ٦٢، الشرح الكبير ٥٠:٦.
(٢) بحر المذهب ٢٨٠:٩، البيان ٣٠٦:٧، المغني ٦٢:٦، الشرح الكبير ٥٠:٦.
(٣) بحر المذهب ٢٨٠:٩، البيان ٣٠٦:٧، المغني ٦٢:٦، الشرح الكبير ٥٠:٦.
(٤) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١١٥:٢، المغني ٦٢:٦، الشرح الكبير ٦:٥١، الحاوي الكبير ٤٠٨:٧، المهذّب ـ للشيرازي ـ ٤١٠:١، نهاية المطلب ٨ :
فجاز بزيادة، كالبيع، و لأنّه كلّ ما جاز إجارته بمثل ما استأجره به جاز بأكثر، كما لو أحدث عمارة.
لا يقال: الزيادة في مقابلة العمارة و ليست ربحا.
لأنّا نقول: العمارة لا يقابلها جزء من الأجرة.
و للأصل، و للآية (١) .
و قال الشيخ رحمهالله: إن كان المستأجر قد أحدث فيها حدثا، جاز أن يؤجرها بأكثر ممّا استأجرها به، و إلاّ فلا (٢) ، و به قال الشعبي و الثوري و أبو حنيفة و أحمد في الرواية الأخرى؛ لما روي عن النبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه نهى عن ربح ما لم يضمن (٣) ، و هذا لم يضمن المنفعة، فلا يجوز أن يربح فيها، و لأنّه يربح فيما لم يضمن فلم يجز، كما لو ربح في الطعام قبل قبضه، و يخالف ما إذا عمل فيها؛ لأنّ الربح في مقابلة العمل (٤) .
و لا حجّة في الخبر؛ فإنّ المنافع قد دخلت [في ضمانه] (٥) من وجه،ر.
__________________
١٢١، بحر المذهب ٢٨١:٩، حلية العلماء ٤٠١:٥، التهذيب ـ للبغوي ـ ٤٣٩:٤، البيان ٣٠٧:٧، العزيز شرح الوجيز ١٨٧:٦، روضة الطالبين ٣٢٥:٤، مختصر اختلاف العلماء ٤ : ١٢٧ / ١٨٢٣ .
(١) سورة المائدة:١.
(٢) الخلاف ٤٩٤:٣، المسألة ١١.
(٣) راجع:الهامش (٣) من ص ١٢.
(٤) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١١٥:٢ ـ ١١٦، المغني ٦٢:٦ ـ ٦٣، الشرح الكبير ٥١:٦، بدائع الصنائع ٢٠٦:٤، المبسوط ـ للسرخسي ـ ١٣٠:١٥، المحيط البرهاني ٤٢٩:٧ ـ ٤٣٠، مختصر اختلاف العلماء ١٢٦:٤ ـ ١٢٧ / ١٨٢٣، الحاوي الكبير ٤٠٨:٧، نهاية المطلب ١٢١:٨، بحر المذهب ٩:٢٨١، حلية العلماء ٤٠١:٥، التهذيب ـ للبغوي ـ ٤٣٩:٤، البيان ٣٠٧:٧، العزيز شرح الوجيز ١٨٧:٦.
(٥) ما بين المعقوفين أثبتناه من المغني و الشرح الكبير.
ألا ترى أنّها لو تلفت من غير استيفائه كانت من ضمانه، على أنّا نخصّه، و القياس على بيع الطعام باطل؛ فإنّ البيع ممنوع منه بالكلّيّة، سواء ربح أو لا، و هنا يجوز في الجملة، على أنّا نمنع الحكم في الأصل، و تعليلهم بأنّ الربح في مقابلة عمله ملغى بما إذا كنس الدار و غسلها و نظّفها، فإنّ هذا ممّا يوفّر الأجرة في العادة، و لا يجوز عندكم الزيادة بسببه.
و عن أحمد رواية ثالثة: إنّه إن أذن له المالك في الزيادة جاز، و إلاّ لم يجز (١) .
و كره ابن المسيّب و ابن سيرين و مجاهد و عكرمة الزيادة مطلقا؛ لدخولها في ربح ما لم يضمن (٢) .
و قال أبو حنيفة و أحمد في الرواية التي منع فيها الإيجار بأكثر ممّا استأجرها به: إنّه إن آجر بزيادة تصدّق بالزيادة (٣) .
و ليس بشيء؛ للقياس على ما إذا باع بأكثر ممّا اشتراه يطيب له الربح.
تذنيب: قال الشيخ رحمهالله: لا يجوز أن يؤجر المسكن و لا الخان و لا الأجير بأكثر ممّا استأجره، إلاّ أن يؤجر بغير جنس الأجرة، أو يحدث ما يقابل التفاوت، و كذا لو سكن بعض الملك، لم يجز أن يؤجر الباقي بزيادة عن الأجرة و الجنس واحد، و يجوز بأكثر (٤) ؛ لرواية الحلبي عن
__________________
(١) المغني ٦٣:٦، الشرح الكبير ٥١:٦.
(٢) الإشراف على مذاهب أهل العلم ١١٥:٢، المغني ٦٣:٦، الشرح الكبير ٦:٥١.
(٣) بدائع الصنائع ٢٠٦:٤، مختصر اختلاف العلماء ١٢٦:٤ ـ ١٢٧ / ١٨٢٣، الإشراف على مذاهب أهل العلم ١١٦:٢، نهاية المطلب ١٢١:٨، بحر المذهب ٢٨١:٩، العزيز شرح الوجيز ١٨٧:٦، المغني ٦٢:٦، الشرح الكبير ٥١:٦.
(٤) النهاية:٤٤٥.
الصادق عليهالسلام، و قد تقدّم (١) .
آخر: لو استعار شيئا لم يجز أن يؤجره، و لو استعاره ليؤجره جاز، كما لو استعاره ليرهنه، و للشافعيّة و جهان (٢) .
مسألة ٥١٤: لو تقبّل عملا يعمله كخياطة ثوب أو بناء حائط و شبهه، جاز أن يقبّله غيره بأقلّ من ذلك، و يكون الفضل له حلالا، سواء عمل المتقبّل فيه شيئا أو لا، و سواء كان مال القبالتين من جنس واحد أو من جنسين؛ للأصل، و هو قياس مذهب أحمد؛ لأنّه إذا جاز أن يقبّله بمثل الأجر الأوّل أو دونه جاز بزيادة عليه، كالبيع و كإجارة العين (٣).
و ما رواه أبو حمزة ـ في الصحيح ـ عن الباقر عليهالسلام، قال: سألته عن الرجل يتقبّل العمل فلا يعمل فيه و يدفعه إلى آخر يربح فيه، قال: «لا بأس» (٤) .
و قال الشيخ رحمهالله: لا يجوز ذلك مع اتّحاد جنس المال فيهما، إلاّ أن يعمل فيه شيئا (٥) ـ و هو رواية عن أحمد (٦) أيضا ـ لما رواه علي الصائغ عن الصادق عليهالسلام، قال: قلت له: أتقبّل العمل ثمّ أقبّله من غلمان يعملون معي بالثلثين، فقال: «لا يصلح ذلك إلاّ أن تعالج معهم فيه» قلت: إنّي أذيبه لهم، قال: فقال: «ذلك عمل فلا بأس» (٧) .
__________________
(١) في ص ١٢.
(٢) العزيز شرح الوجيز ١٨٨:٦، روضة الطالبين ٣٢٥:٤.
(٣) المغني ٦٣:٦ ـ ٦٤، الشرح الكبير ٥٢:٦.
(٤) التهذيب ٧ : ٢١٠ / ٩٢٣ ، و فيه:«لا» بدل «لا بأس».
(٥) النهاية:٤٤٦.
(٦) المغني ٦٣:٦، الشرح الكبير ٥١:٦ ـ ٥٢.
(٧) التهذيب ٧ : ٢١١ / ٩٢٧ .
و عن مجمع عن الصادق عليهالسلام، قال: قلت له: أتقبّل الثياب أخيطها ثمّ أعطيها الغلمان بالثلثين، فقال: «أ ليس تعمل فيها؟» قلت: أقطعها و أشتري لها الخيوط [قال: «لا بأس» (١) ].
و هو محمول على الكراهة؛ جمعا بين الأدلّة.
الركن الثاني: الصيغة.
لا بدّ في كلّ عقد من إيجاب و قبول دالّين على الرضا الباطن.
و العبارة الصريحة عن الإيجاب: آجرتك هذه الدار ـ مثلا ـ أو أكريتك مدّة كذا بكذا، فيقول (٢) المستأجر على الاتّصال: قبلت، أو استأجرت، أو استكريت.
و لا يكفي «ملّكتك» من غير إضافة إلى المنفعة، أمّا لو قال: ملّكتك سكنى هذه الدار بكذا سنة، صحّ.
و لو قال: أعرتك هذه الدار سنة بكذا، فالوجه: المنع.
و يحتمل الجواز؛ لتحقّق القصد إلى المنفعة.
مسألة ٥١٥: الإجارة عقد يتعلّق بنقل المنافع، و ليست بيعا عندنا.
و قال الشافعي و أحمد: الإجارة نوع من البيع؛ لأنّها تمليك من كلّ واحد منهما لصاحبه، فهي بيع للمنافع، و المنافع بمنزلة الأعيان؛ لأنّه يصحّ تمليكها في حال الحياة و بعد الموت، و تضمن باليد و الإتلاف، و يكون عوضها عينا و دينا، و إنّما اختصّت باسم، كما اختصّ بعض البيوع باسم،
__________________
(١) الفقيه ٣ : ١٥٩ / ٦٩٩ ، التهذيب ٧ : ٢١١ / ٩٢٦ ، و ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
(٢) في الطبعة الحجريّة:«ثمّ يقول» بدل «فيقول».
كالصرف و السّلم (١) .
و هو غلط؛ لأنّ البيع مختصّ بنقل الأعيان.
إذا ثبت هذا، فلو قال في الإيجاب: بعتك منفعة هذه الدار شهرا بكذا، لم يصح عندنا؛ لما بيّنّا من اختصاص لفظة البيع بالأعيان.
و للشافعيّة و جهان :
أحدهما: الجواز؛ لأنّ الإجارة صنف من البيع.
و أظهرهما عندهم: المنع؛ لأنّ البيع موضوع لملك الأعيان، فلا يستعمل في المنافع، كما لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة (٢) .
مسألة ٥١٦: الأقوى: إنّ المعقود عليه في الإجارة المنافع دون العين. نعم، العين متعلّقة للمنافع ـ و هو قول أبي حنيفة و مالك و أكثر الشافعيّة (٣) ـ لأنّ المعقود عليه ما يستحقّ بالعقد و يجوز التصرّف فيه، و العين ليست كذلك، فإذن المعقود عليه المنفعة، و عليه ينطبق حدّ الإجارة الذي أطبق عليه الجمهور، و هو أنّ الإجارة عقد يقتضي تمليك المنفعة بعوض معلوم، و لأنّ الأجرة في مقابلة المنفعة، و لهذا تضمن المنفعة دون العين، و ما كان
__________________
(١) مختصر المزني:١٢٦، الحاوي الكبير ٣٩٢:٧، نهاية المطلب ٨١:٨، بحر المذهب ٢٦٥:٩، التهذيب ـ للبغوي ـ ٤٢٠:٤، المغني و الشرح الكبير ٧:٦.
(٢) المهذّب ـ للشيرازي ـ ٤٠٢:١، نهاية المطلب ٦٨:٨ ـ ٦٩، بحر المذهب ٩:٢٦٥، الوسيط ١٥٤:٤، حلية العلماء ٣٨٧:٥، التهذيب ـ للبغوي ـ ٤٢٦:٤ ـ ٤٢٨، البيان ٢٥٤:٧، العزيز شرح الوجيز ٨٢:٦، روضة الطالبين ٢٤٨:٤.
(٣) تحفة الفقهاء ٣٤٧:٢، بدائع الصنائع ١٧٤:٤ ـ ١٧٥، الهداية ـ للمرغيناني ـ ٢٣١:٣، المبسوط ـ للسرخسي ـ ٧٤:١٥، روضة القضاة ١ : ٤٧٣ / ٢٧٤٧ ، التلقين:٣٩٨، المعونة ١٠٨٨:٢، نهاية المطلب ٦٧:٨، بحر المذهب ٩:٢٦٦، حلية العلماء ٣٩٠:٥، البيان ٢٥٤:٧، العزيز شرح الوجيز ٨١:٦، المغني و الشرح الكبير ٧:٦.
العوض في مقابلته فهو المعقود عليه.
و تحقيقه: إنّ عين الثوب ـ مثلا ـ تتعلّق به أمور ثلاثة :
الأوّل: صلاحيّته لأن يلبس.
الثاني: الفائدة الحاصلة باللّبس لدفع الحرّ و البرد.
الثالث: نفس اللّبس المتوسّط بينهما، و اسم المنفعة يقع عليهما جميعا، و مورد العقد و المستحقّ إنّما هو الثالث.
و قال بعض الشافعيّة: المعقود عليه العين ليستوفى منها المنفعة؛ لأنّ المنافع معدومة، و مورد العقد يجب أن يكون موجودا، و لأنّ اللفظ يضاف إلى العين، فيقال: آجرتك هذه الدار (١) .
و نمنع أن يكون المعقود عليه موجودا تحقيقا، فيكفي الوجود التقديري، و قولهم: «آجرتك هذه الدار» معناه منفعتها، و لهذا لو قال : آجرتك منفعتها، جاز.
و التحقيق يقتضي أنّ الخلاف هنا لفظيّ؛ فإنّ الإجماع واقع على أنّ العين لا تملك بالإجارة، كما تملك في البيع، و القائل بأنّ متعلّق الإجارة العين يسلّم أنّ المعقود عليه العين لاستيفاء المنفعة، و على أنّ الحقّ لا ينقطع عن العين، و القائل بأنّ المعقود عليه المنفعة يسلّم ذلك، بل يقول: الحقّ متعلّق بالعين، له تسلّمها و إمساكها مدّة العقد لينتفع بها.
مسألة ٥١٧: لو أضاف الإجارة إلى المنافع فقال: آجرتك منافع هذه الدار، أو آجرتكها، فالأقوى: المنع؛ لأنّ لفظ الإجارة وضع مضافا إلى
__________________
(١) نهاية المطلب ٦٧:٨، بحر المذهب ٢٦٦:٩، حلية العلماء ٣٩٠:٥، البيان ٢٥٤:٧، العزيز شرح الوجيز ٨١:٦، المغني ٧:٦ ـ ٨، الشرح الكبير ٧:٦.
