دلائل الصدق لنهج الحق - ج ٨

الشيخ محمد حسن المظفر

دلائل الصدق لنهج الحق - ج ٨

المؤلف:

الشيخ محمد حسن المظفر


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٦٨

١
٢

٣

٤

المطلب الرابع

ما رواه الجمهور في حقّ معاوية

قال المصنّف  ـــ  طاب ثراه (١) :

المطلب الرابع

في مطاعن معاوية :

وهي أكثر من أن تحصى ، وقد روى الجمهور منها أشياء كثيرة .

منها : ما روى الحميدي قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ويحَ عمّار ! تقتله الفئة الباغيةُ [ بصفّين ] (٢) يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» (٣) ، فقتله معاوية .

__________________

(١) نهج الحق : ٣٠٦ .

(٢) ليست في المصدر وهي اضافة توضيحية من العلامة الحلي قدس‌سره .

(٣) الجمع بين الصحيحين ٢  /  ٤٦٢ ح ١٧٩٤ ، وأنظر : صحيح البخاري ١  /  ١٩٤ ح ١٠٧ و ج ٤  /  ٧٧ ح صحیح مسلم ٨  /  ١٨٥ـ ١٨٦ ، سنن الترمذي ٥  /  ٦٢٧  ـــ ٦٢٨ ح ٣٨٠٠ ، سنن النسائي الكبرى ٥  /  ٧٥ ح ٨٢٧٥ و ص ١٥٥  ـــ  ١٥٧ ح ٨٥٤٣  ـــ  ٨٥٥٣ ومن عدة طرق ، مسند أحمد ٢  /  ١٦١ و ١٦٤ و ٢٠٦ وج ٣  /  ٥ و ٢٢  ـــ  ٢٨ و ٩١ وج ٤  /  ١٩٧ و ١٩٩ و ج ٥  /  ٣٠٦ و ٣٠٧ و ج ٦  /   ٢٨٩ و ٣٠٠ ومسند الطيالسي : ٩٠ ج ٦٤٩ و ص ٢٨٨ ح ٢١٦٨ ، مصنف عبد الرزاق ١١  /  ٢٤٠ ح ٢٠٤٢٧ ، مصنف ابن أبي شيبة ٨  /  ٧٢٣ ح ٩ و ١٥ و ص ٧٢٨ ح ٣٩ و ٤٠ ، مسند

٥

ولما سمع معاوية اعتذر فقال : قتله من جاء به.

فقال ابن عباس : فقد قتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حمزة لأنه جاء به إلى الكفار (١) .

***

__________________

البزار ٤  /  ٢٥٦ ح ١٤٢٨ و ج ٦  /  ٣٥٨ ح٢٢٣٦٨ و ج ٧  /  ٣٥١ ح ٢٩٤٨ ، مسند ابی يعلى ٣  /  ٢٠٩ ح١٦٤٥ وج ٧  /  ١٩٥ ح٤١٨١ وج ١١  /  ٤٠٣ ح ٦٥٢٤ و ج ١٢  /  ٤٢٤ ح٦٩٩٠ و ج ١٣  /  ١٢٣ ح ٧١٧٥ و ص ٣٣١ ح ٧٣٤٧ ، المعجم الكبير ١  /  ٣٢٠ح ٩٥٤ وج ٤  /  ٨٥ ح ٣٧٢٠ ص ١٦٨ ح ٤٠٣٠ و ج ٥  /  ٢٢١ ح ٥١٤٦ و ص ٢٦٦ ح ٥٢٩٦ و ج ١٩  /  ١٧١ ح ٣٨٢ وص ٣٩٦ ح ٩٣٢ و ج ٢٣  /  ٣٦٣ ـــ ٣٦٤ ح ٨٥٢ ــ ٨٥٨ ، المعجم الصغیر ١  /  ١٨٧ ، مسند الشاشي ٦  /  ٣٢٤ ح ١٥٣٢، صحیح ابن حبان ٨  /  ٢٦٠ ح ٦٧٠١ وج ٩  /  ١٠٥ ــ ١٠٦ ح ٧٠٣٦ ــ ٧٠٣٨ ، مستدرک الحاکم ٢  /  ١٦٨ ح ٢٦٦٣ وج ٣  /  ٤٣٤ ــ ٤٣٦ ح ٥٦٥٧ و ٥٦٥٩.

(١) بنظر : سنن النسائي الكبرى ٥  /  ١٥٧ ح ٨٥٥٣ ، مسند أحمد ٢  /  ٢٠٦ وج ٤  /  ١٩٩ ، مسند أبي يعلى ١٣  /  ١٢٣  ــ  ١٢٤ ح ٧١٧٥ وص٣٣١ ح ٧٣٤٦ و ص ٢٣٤ ح ٧٣٥١، مصنف عبد الرزاق ١١  /  ٢٤٠ ، طبقات ابن سعد ٣  /   ١٩١ و ١٩٢ ، الإمامة والسياسية ١  /  ١٤٦ ، العقد الفريد ١٣  /   ٣٣٧ ، أحكام القرآن للجصاص ٣  /  ٥٩٦ ، مستدرك الحاكم ٢  /  ١٦٨ ح ٢٦٦٣ وج ٣  /  ٤٣٦  ــ ٤٣٧ح ٥٦٥٩ و ٥٦٦٠ ، دلائل النبوة  ــ  للبيهقي  ــ ٢  /  ٥٥١  ــ  ٥٥٢ ، تاریخ دمشق ٤٣  /  ٤١٤ و ٤٢٥ و ٤٣١ ، مناقب الخوارزمي : ٢٣٤ ، الكامل في التاريخ ٣  /  ١٨٨  ــ  ١٨٩ ، شرح الأخبار١  /  ٤٠٨ ح ٣٦٠ ، أمالي الصدوق : ٤٨٩ ح٦٦٥.

٦

وقال الفضل (١) :

قول أهل السنة والجماعة في معاوية : أنّه رجل من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وصحبته ثابتةٌ ، لا ينكره الموافق والمخالف ، وكان كاتب وحي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وبعد أن توفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج إلى الشام تحت راية أخيه يزيد بن أبي سفيان ، ولمّا توفّي يزيد في إمارة الشام زمن إمارة عمر بن الخطاب ، ولاه عمرُ في إمارة الشام ، وكان أميراً بها مدة خلافة عمر بن الخطاب .

ثمّ ولاه عثمان الشام ، وأضافه ما فتحه من بلاد الروم ، وكان على ولايتها مدة خلافة عثمان بن عفان (٢) .

ثمّ لمّا تولّى الخلافة أمير المؤمنين علي ، عزله من إمارة الشام وجعل الإمارة لعبد الله بن عباس.

فقال عبد الله : يا أمير المؤمنين ! إنّ معاوية قد استولى على الشام وله سنين كثيرة يحكم في الشام  ــ  وهو رجل من أهل الدنيا  ــ  فقره على أمره حتى تأخذ منه البيعة ، ثمّ إذا جاء الموسم للحج استوقفه في المدينة ، وابعث من تريد إلى الشام .

فلم يسمع أمير المؤمنين كلام عبد الله بن عباس وعزله في يومه » (٣) .

__________________

(١) إبطال نهج الباطل المطبوع ضمن إحقاق : ٥٩٠ (حجري) .

(٢) أسد الغابة ٤  /  ٤٣٥.

(٣) أنظر : تاريخ الطبري ٢  /  ٧٠٤ ، البدايه والنهاية ٧  /  ١٨٣.

٧

وبعد أن قتل عثمان ، ذهب مروان ونائلةُ بنتُ الفرافصة (١)  ــ  زوجة عثمان  ــ  إلى الشام ، وقد قطعت أنامل نائلة حين هموا بقتل عثمان ، فأوقعت نائلة نفسها على عثمان ، فقطعوا أناملها بالسيف .

فأخذ مروان ونائلة قميص عثمان وأناملها ، وذهبا بهما إلى معاوية .

فعلق معاوية القميص والأنامل على مسجد دمشق ، واجتمع بنو أُمية كلّهم في الشام ، وهموا بطلب ثأر عثمان ، ولم يبايعوا لعلي حتى وقع ما وقع من الفتن والحوادث المشهورة (٢) .

ومذهب أهل السنة والجماعة أنّ الإمام الحق بعد عثمان كان علي بن أبي طالب ، ولا نزاع لأحد من أهل السنة في هذا ، وأن كل من خرج على عليّ ، كانوا بغاة على الباطل .

ولكن كانوا من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينبغي أن يحفظ اللسان عنهم ، ويكفّ عن ذكرهم وذكر ما جرى بين الصحابة ؛ لأنّه يورث الشحناء ، ويثير البغضاء ، ولا فائدة في ذكره .

وأما ما ذكره من مطاعن معاوية ، فلا اهتمام لنا أصلاً بالذب عنه ؛ فإنّه لم يكن من الخلفاء الراشدين حتى يكون الذب عنه موجباً لإقامة سنة

__________________

(١) نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو ، ويقال عفير ، وكان الأحوص نصرانياً ، ولما كان سعيد بن العاص على الكوفة تزوج أختها هنداً ، فبلغ عثمان ذلك ، فطلب منه أن يوصفها له ، ففعل ، فطلب منه أن يخطب له أختاً إن كان لها ، فخطب نائلة ، فحملها له أخاها حنب من بادية السماوة فتزوجها لم يذكر أي تاريخ لولادتها أو وفاتها أو أي شيء آخر .

أنظر ترجمتها في : الأغاني ١٦  /  ٣٤٨ ، تاريخ دمشق ٧٠  /  ١٣٥ ت ٩٤٣٥ ، الأعلام للزركلي ٧  /  ٣٤٣.

(٢) أنظر : الكامل في التأريخ ٣  /  ١٦١.

٨

الخلفاء وذب الطعن عن حريمهم ، ليقتدوا بهم الناس ولا يشكوا في كونهم الأئمة ؛ لأن معظم الإسلام منوط بآرائهم ، فإنّهم كانوا خلفاء النبوة ، ووارثي العلم والولاية .

وأما معاوية ، فإنّه كان من ملوك الإسلام ، والملوك في أعمالهم لا يخلون عن المطاعن ، ولكن كفُّ اللسان عنهم أولى ؛ لأن ذكر مطاعنه لا يتعلّق به فائدةٌ ما أصلاً ؛ فإنّ ذكر مطاعن الخلفاء ينفعُ الرّفضة ، وأقل المنافع أن يصير سبباً للمباحثة والمعارضة التي هي أنفع المنافع عند المجادلين من الرفضة. وهذه المنفعة مفقودة في ذكر مطاعن معاوية ؛ لأنه لم يعارض أحدٌ في الذب عنه ، فَذِكْرُ مطاعنه محض الغيبة الضارة ، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تذكروا موتاكم إلا بالخير» (١) .

لكن لما ذكر هذا الرجلُ مطاعنه  ــ  ونحن لا نريد أن نترك شيئاً ممّا ذكره  ــ  نذكر مطاعنه ، ونتكلم في كل فصل بما يليق في ذلك الفصل من الكلام.

فنقول : ما ذكر أن رسول الله قال : «ويحَ عمّار تقتله الفئة الباغية » .

فهذا حديث صحيح ، ولاشك أنه قتل في حرب صفين ، ولا شك أن أصحاب معاوية قتلوه  ــ  وهم الفئة الباغية  ــ  ولا نزاع في هذا .

***

__________________

(١) كنز العمال ١٥  /  ٦٨٠ ح ٤٢٧١٢ .

٩

وأقول :

إثبات الصحبة لمعاوية غير نافعة له ؛ إذ كم من صاحب للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منافق ، بل ربِّ خاصة له في الظاهر وهو أفسقُ فاسقٍ .

روى البخاري (١) عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

«ما بعث الله من نبي ، ولا استخلف من خليفة ، إلّا كانت له بطانتان ؛ بطانة تأمرة بالمعروف وتحضّه عليه ؛ وبطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه» (٢)

ونحوه في «مسند أحمد» (٣) .

فأيّة فائدة لمعاوية في الصحبة ، وهو من أكبر المنافقين ؛ لحربه ؛ واستدامة بغضه لسيّد المسلمين وأخ النبي الأمين ؟!

وكان من المؤلّفة قلوبهم ، كما في ترجمته من كما في ترجمته من «الاستيعاب » (٤) و تاريخ الخلفاء للسيوطي (٥) ، وغيرهما (٦) ؛ ولأجل تأليفه استكتبه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للصدقات ونحوها ، كما حقق كونه كاتب الصدقة حافظ أبرو الشافعي (٧)

__________________

(١) في باب بطانة الإمام وأهل مشورته من كتاب الأحكام . منه قدس‌سره .

(٢) صحيح البخاري ٩  /  ١٣٨ ح ٥٦ .

(٣) ص : ٢٨٩ ٢ . منه قدس‌سره .

(٤) الاستيعاب ٣  /  ١٤١٦ ت ١٤٣٥ .

(٥) تاريخ الخلفاء : ٢٣٣ عهد بني امیة.

(٦) أسد الغابة ٤  /  ٤٣٣ ت ٤٩٧٧ .

(٧) حافظ أبرو : لطف الله بن عبد الله ، نور الدين الهروي المولد ، همداني والدار ، الشهير بحافظ أبرو ، توفي بزنجان سنة ٨٣٤ ه ــ  . له زبدة التواريخ

١٠

على ما نقله السيد السعيد رحمه‌الله (١)

ولا أدري أيه آية كتبها معاوية للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأية رواية جاءت بها ؟!

فلا أصل لما تشدق به الخصم وبعض أصحابه من أنّه كاتب الوحي . وغاية ما ذكره قدماؤهم ؛ كالطبري وابن الأثير في تاريخهما ، وابن عبد البر في «الاستيعاب » : أنّه كتب لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يبينوا المكتوب (٢) .

وقال ابن أبي الحديد (٣) : اختلف في كتابته له ، كيف كانت ؟

فالذي عليه المحققون من أهل السيرة : إنّ الوحي كان يكتبه عليّ ، وزيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، وأن حنظلة بن الربيع التيمي ، ومعاوية بن أبي سفيان كانا يكتبان له إلى الملوك ، وإلى رؤساء القبائل ، ويكتبان حوائجه بين يديه ، ويكتبان ما يجيء من أموال الصدقات وما يُقسم في أربابها » (٤) .انتهى .

ولو سُلّم أنه كتب شيئاً من الوحى فى أيام إسلامه البسيرة المدخولة ، فقد كتب قبله ابنُ أبي سرح ، وارتد عن الإسلام (٥) ، وما صدر من معاوية ، أشد وأنكى في الإسلام .

__________________

إلى وقائع سنة ٨٢٩ .

انظر : کشف الظنون ٥  /  ٨٣٩.

(١) احقاق الحق : ٥٩١ ( حجري)

(٢) تاريخ الطبري ٢  /  ٢١٨ حوادث سنة ١٠ ه ــ  ، الكامل في التاريخ ٢  /  ١٧٩ حوادث سنة ١٠ ه ــ  ، الاستيعاب ٣  /  ١٤١٦ في ترجمته

(٣) ص : ١١٢ مجلد ١ . منه قدس‌سره .

(٤) شرح نهج البلاغة ١  /  ٣٣٨ .

(٥) تاريخ الطبري ٢  /  ٢١٨ حوادث سنة ١٠ه ــ  ، الاستيعاب ٣  /  ٩١٨ ت ١٥٥٣ ، أسد الغابة ٣  /   ١٥٥ ت ٢٩٧٤ ، الكامل في التاريخ ٣  /  ٣٣ ت ٨.

١١

وأما ما ذكر من تولية عمر له على الشام فصحيح ، لكن لا تدلّ على فضيلة له ، وأن الإشكال في المولّي أعظم ، وتوليته له إحدى مطاعنه ؛ لوجود كبار الصحابة السابقين الذين هم أولى منه بالولاية ، وأصلح للدين ، كما سبق مثله في تولية عثمان لأقاربه (١) ، بل عَزلَ عمر به من هو أولى منه بالأمارة ، فقد روى الترمذي في مناقب معاوية :

« أنّه لمّا عزل عمر عمير بن سعد (٢) عن حمص ، ولى معاوية ، فقال الناس : عزل عميراً وولّى معاوية» (٣) الحديث .

ولا شك أنّ هذا القول منهم إنّما هو لظهور فسق معاوية ، أو ظهور فضل عمير عليه ، فلم يحط عمر الإسلام نُضحاً .

وقد سبقت رواية البخاري ومسلم عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال :

«ما من عبد استرعاه الله رعيّةً فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة» (٤)

ولكن يا لَلْعَجبِ !! قد أضاف الراوي إلى ذلك : «أنّ عميراً قال : لا تذكروا معاوية إلا بخير ؛ فإنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « اللهم ! اهد به » .

__________________

(١) راجع ج ٧  /  ٤٠٩.

(٢) عمير بن سعد بن عبيد الله بن النعمان الأوسي الأنصاري ، وقيل بن سعد بن شهيد وقيل سعد بن عبيد بن قيس ، كان يقال له نسيج وحده ، كان قد شهد فتح الشام وأستعمله عمر بن الخطاب على حمص وقيل دمشق أيضاً ، سكن الشام ومات بها وقيل نزل بفلسطين ومات بها.

انظر : الاستيعاب ٣  /   ١٢١٥ ت ١٩٨٣ ، أسد الغابة ٣  /  ٢٨٩ ت ٤٠٦٩ ، سير أعلام النبلاء ٢١٠٣ ت ١٢ .

(٣) سنن الترمذي ٥  /  ٦٤٥ رقم ٣٨٤٣ .

(٤) راجع ج ٧  /  ٤٣١.

١٢

إذ أيُّ مناسبة بين معاوية والهداية به ؟!

فهل من الهداية به إلحاقه العَهارَ (١) بالنسب جهراً (٢) ، وإضلاله قطرالشام حتى أماتهم ميتة جاهليّةً ؛ لجهلهم بإمام زمانهم وخروجهم عليه (٣) ؟!

وهل من الهداية به لبسه الحرير والديباج ، وشربه الخمر ، واستعماله أواني الذهب والفضة (٤) ؟ !

إلى غير ذلك مما يتهتك به ، كما ستعرف .

وليت عمر بعد ما ولاه على رقاب المسلمين يسمع به قول قائل ، أو لا يَمدّه في غيه بالمال ، أو لا يغضي عما يعمله من سييء أفعاله .

روى في «الاستيعاب» بترجمة معاوية : «أنّه ذُمّ يوماً عند عمر ، فقال : دعونا من ذم فتى قريش» (٥) .

وروى أيضاً : أنّه كان يجري عليه في كل شهر ألف دينار» (٦) .

__________________

(١) العهار : عهر اليها يعهر عهراً وعهوراً وعهارةً وعهورة وعاهرها عهاراً : أتاها ليلاً للفجور . ثمّ غلب على الزنا مطلقاً وقيل هو الفجور.

أنظر : لسان العرب ٩  /  ٤٥١ ، تاج العروس ٧  /  ٢٧٩ مادة « عهر » .

(٢) إشارة إلى استلحاقه زياد ابن ابيه ونسبه لأبي سفيان علانيةً

(٣) إشارة إلى خروج معاوية ومعسكره من أهل الشام لحرب أمير المؤمنين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صفين.

(٤) سنن أبي داود ٤  /  ٦٧ رقم ٤١٣١ كتاب اللباس ، مسند أحمد ٥  /  ٣٤٧ ، الاستيعاب ٢  /  ٨٣٦ رقم ١٤٢٤ [دون أن يسمّي معاوية ] ، تاريخ دمشق ٢٦  /   ١٩٧ ــ  ١٩٨ وص ١٩٨ ٢٠٠ في ترجمة عبادة بن الصامت برقم ٣٠٧١ و ج ٢٧  /  ٣١٢ بترجمة عبد الله بن الحارث بن أُمية بن عبد شمس برقم ٣٢٣٠ بن عبد شمس برقم ٣٢٣٠ ، و ج ٣٤  /  ٤٢٠ ، أسد الغابة ٣  /  ٣٥٣ رقم ٣٣٢٢ ، شرح نهج البلاغة ٥  /  ١٣٠ ، الاصابة ٤  /  ٣٢١ رقم ٣٤٠ بترجمة عبد الرحمن بن سهل بن زيد الأنصاري .

(٥) الاستيعاب ٣  /  ١٤١٨ .

(٦) الاستيعاب ٣  /  ١٤١٦ .

١٣

وفي رواية أخرى : «في السنة عشرة آلاف دينار» (١) .

ذلك يزعمون : «أن عمر حج سنة عشر من خلافته ، فکانتنفقته ستة عشر ديناراً .

فقال : أسرفنا في هذا المال» ، كما في «تاريخ الخلفاء» ، وفي «الصواعق » (٢) بسيرة عمر.

فهل من السرف إنفاق هذا القدر اليسير في مجموع طريق الحج ، ولا يكون من السرف إعطاء معاوية في كل شهر ألف دينار لو كانت الأمور على حقائقها ؟!

وفي الاستيعاب أيضاً : « أن عمر قال :  ــ  إذ دخل الشام ورأى معاوية  ــ  :

هذا كسرى العرب .

وكان معاوية قد تلقاه في موكب عظيم ، فلما دنا منه قال :

أنت صاحب الموكب العظيم ؟

قال : نعم ...

قال : مع ما يبلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك ؟

قال : مع ما يبلغك من ذلك .

قال : ولم تفعل هذا ؟

قال : نحن بأرض جواسيس العدو بها كثيرةٌ ، فيجب أن تظهر لهم عزّ السلطان ما نرهبهم به ...

__________________

(١) الاستيعاب ٣  /  ١٤٢٢ ت ٢٤٣٥ .

(٢) تاريخ الخلفاء : ١٦٥ في نُبذ من أخباره وقضاياه ، الصواعق المحرقة : ١٥٨ الفصل السابع من الباب الرابع .

١٤

فقال عمر : ما أسألك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس (١)

إن كان ماقلت حقاً ، إنّه لرأي أريب ، وإن كان باطلاً : إنّه لخدعة ادیب.

قال : فمرني يا أمير المؤنين .

قال : لا أمرك ولا أنهاك » (٢) .

ونحوه في تاريخ الطبري (٣) .

ولا ريب أن إظهار عمر للشك في صحة عذر معاوية ، إغضاء منه عمّا علمه من بطلان عذره ؛ إذ كيف يخفى على عمر أو غيره أن عز السلطان الإسلامي وإرهاب العدوّ ، إنما يحصل بكثرة الجن ــ د والخيل والسلاح ، وتفاني الرعيّة في طاعة الوالي لاعتقادهم بفضله ، وهداه ، لا بتجبر الوالي ، ووقوف ذوي الحاجات ببابه ، وتحقيره لهم ؟!

ولا أعجب من عمر ؛ فإنّه أظهر الشك في معاوية ثمّ ما برح حتى أوكل الأمر إلى هواه ، فقال : «لا أمرك ولا أنهاك».

وهل يشتبه على عمر سوء أعمال معاوية وهو مهتوك الستر ؟!

قال ابن أبي الحديد (٤) في شرح كتاب لأمير المؤمنين إلى ابن العاص

__________________

(١) الرواجب : مفاصل أصول الأصابع التي تلي الأنامل أو بواطن مفاصلها ، واحدتها : راجبة . تاج العروس ٢  /  ١٧ ، مادة«رجب». ولعل المراد بقوله : في مثل رواجب الضرس ؛ كناية عن الحيرة أو الندم ؛ لأن النادم أو المتحيّر يعض على يده أو اصبعه ، كما يُقال : قرعَ فلان سنّه ؛ إذا حرقه ندماً .

(٢) الأستيعاب ٣  /  ١٤١٧ .

(٣) ص : ١٨٤ ج . ٦ . منه قدس‌سره ، تاريخ الطبري ٣  /   ٢٦٥ حوادث سنة ٦٠ ه.

(٤) ص : ٦٠ مجلد ٤ . منه قدس‌سره .

١٥

يقول فيه :

«فإنّك قد جعلت دينك تبعاً لدنيا امريء ، ظاهر غيّه ، مهتوك ستره ...» إلى آخره .

قال : «أما مهتوك ستره ؛ فإنّه كان كثير الهزل والخلاعة ، صاحب جلساء وسمار .

ومعاوية لم يتوفّر ، ولم يلزم قانون الرياسة إلا منذ خرج على أمير المؤمنين عليه‌السلام ، واحتاج إلى الناموس والسكينة .

وإلا فقد كان في أيام عثمان شديد التهتك ، موسوماً بكل قبيح.

وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلاً ؛ خوفاً منه ، إلا أنّه كان يلبس الحرير والديباج ، ويشرب في آنية الذهب والفضة ، ويركب البغلات ذوات المحلاة بهما ، وعليهما جلال (١) الديباج والوشي ، وكان حينئذ شاباً وعنده نزق الصبا وأثر الشبيبة ، وسكر السلطان والإمرة .

ونقل الناس عنه في كتب السيرة : إنّه كان يشرب الخمر في أيام عثمان بالشام ، وأما بعد وفاة أمير المؤمنين عليه‌السلام واستقرار الأمر له ، فقد اختلف فيه.

فقيل : إنّه شرب الخمر في ستر ، وقيل : لم يشرب .

ولا خلاف أنّه الغناء وطرب عليه ، وأعطى ووصل عليه» (٢) .

أقول ، الظاهرُ شربه لها بعد استقرار الأمر له ؛ لما في «مسند

__________________

(١) الجلال : جمع الجل ، وجل الدابة : الذي تلبسه لتصان به ، وجلال كل شيء : غطاؤه . لسان العرب ٢  /  ٣٣٦ .

(٢) شرح نهج البلاغة ١٦  /  ١٦٠  ــ  ١٦١ .

١٦

أحمد » (١) عن عبد الله بن بريدة الأسلمي ، قال :

«دخلتُ أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش ، ثم أتينا بالطعام فأكلنا ، ثمّ أُتينا بالشراب ، فشرب معاوية .

ثم ناول أبي ، قال : ما شربته منذ حرمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فإن مثل بريدة لا يغضي عن معاوية لولا خوفه منه واستقرار الأمر له

مضافاً إلى ما في تتمة الحديث قال : «أي عبد الله » :

«ثمّ قال معاوية : كنتُ أجمل شباب قريش ، وأجوده ثغراً ، وما شيء كنتُ أجد له لذة كما كنتُ أجده وأنا شاب غير اللبن ، أو إنسان حسن الحديث يحدثني» .

فإن هذا الكلام ظاهر في بلوغه سن الشيخوخة ، وذهاب اللذات عنه ، سوى لذتي اللبن والحديث الحسن ، فلا يجد لذة للخمر  ــ  وقد شاخ  ــ  كما كان يجدها وهو شاب ، فيا سوأةً له ولمن يواليه .

وأعظم دليل على ظهور فسقه ونفاقه ، أنّه لمّا ولي أمير المؤمنين عليه‌السلام لم يرض أن يبقيه والياً زمناً يسيراً ، وقال  ــ  كما في ترجمة المغيرة من «الاستيعاب»  ــ  :

«لا والله ، لا رآنى الله مستعملاً له ولا مستعيناً به ما دام على حاله».

ثم قال عليه‌السلام : «إن أقررتُ معاوية على ما في يده ، كنت متخذ المضلين عضدا» (٢) (٣) .

__________________

(١) ص : ٣٤٧ ٥ . منه قدس‌سره .

(٢) اشارة إلى قوله تعالى : ( ما أشهدتُّهم خَلقَ السموات والأرض ولا خَلقَ أنفُسِهم وما كنت مُتَّخِذَ المُضلَّينَ عَضُدا ) سورة الكهف ١٨ : ٥١ .

(٣) الاستيعاب ٤  /  ١٤٤٧ رقم ٢٤٨٣

١٧

وروى الطبري في تأريخه (١) أن أمير المؤمنين عليه‌السلام لما أشار عليه المغيرة بإقرار معاوية قال : «والله لا أُداهنُ في ديني» (٢)

وأنّه عليه‌السلام أجاب ابن عبّاس بعد ما أشار عليه بإقرار معاوية وأصحابه

قال :

«أما ما ذكرت من إقرارهم ، فوالله ، ما أشك أنّ ذلك خيرٌ في عاجل الدنيا لإصلاحها ، وأما الذي يلزمني من الحق والمعرفة بعمال عثمان ، فوالله لا أُولي منهم أحداً أبداً» (٣) .

وأما ما ذكره من أنّه لا نزاع لهم في أنّ من خرج على علي عليه‌السلام كانوا بغاةً على الباطل ، وأنّه ينبغي أن يحفظ اللسان عنهم ؛ لأنه يورث الشحناء ، فطريف ؛ لأنّهم إذا لم ينازعوا في أنهم على الباطل ، فما بال ذكرهم بباطلهم ومثالبهم يورث شحناء السنّة وبغضهم لنا ، بل كان يلزمهم إعانتنا على ثلب المبطلين ؟!

أترى من سنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبغض المسلم المسلم لذكره أهل الباطل بباطلهم ومعائبهم ؟!

وقوله : «لا فائدة بذكره ، أطرف من سابقه ؛ إذ أيّةً فائدة أعظم من إظهار حال المبطل ؛ لئلا يغتر به الجاهل ، ويدخل الناس في ضلالته ، ويعظموا حقير منزلته ، ويعادوا أولياء الله لإجله ؟!

وكم من آية وسنّة لعنت أهل النفاق ، وذمّت المردة الفساق.

وهل هذا إلا مثل أن يقال : لا تذكروا اليهود والنصارى بما هم فيه ؛

__________________

(١) ص : ١٦٠ ج ٥ . منه قدس‌سره .

(٢) الطبري ٢  /  ٧٠٤ حوادث سنة ٣٥ ه .

(٣) الطبري ٢  /  ٧٠٣ حوادث سنة ٣٥ ه .

١٨

لأنه يورث الشحناء ؟!

وأما ما زعمه من أنّه لا اهتمام لهم بالذب عن معاوية ، فيكذبه الوجدان ، فكم كتاب لهم في الذب عنه ، وكم مقال لهم في الدفع عن مخازيه ، حتى أبانوا عن غاية ولائهم له وتمسكهم به ، فلا يؤثر في شأنه مخالفته لضرورة شريعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحاق زياد بأبيه بالزنا ، وخروجه على إمام زمانه ، وسفك ما لا يحصى من الدماء ، سبّ أخ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونفسه على المنابر (١) ، وفي كل ذلك ينسبونه إلى الاجتهاد ، ويعذرونه (٢) .

وقد أثبت ابن حجر الهيثمي خلافة معاوية في «صواعقه» ، وألف لها وللذب عنه ، كتاباً سمّاه :

«تطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوّه بثلب سيّدنا معاوية بن أبي سفيان (٣) . »

فانظر إلى هذا الاسم العريض الطويل ، الكاشف عما اشتمل عليه المسمّى من الخرافات والأباطيل .

وأما قوله : « ولا يشكوا في كونهم الأئمة»

ففيه : إنّه لا بأس بالشك في إمامتهم بمقتضى مذهبهم ؛ إذ ليست هي من الاعتقاديات وأصول الديانات ، وإنما مسألة الإمامة عندهم فرعيّة

__________________

(١) راجع المحاسن والمساوي : ٥٥ ، مروج الذهب ٣  /  ١٨٤ ، الكامل في التأريخ ٤  /  ٣١٤  ــ  ٣١٥ ، معجم البلدان ٣  /   ٢١٥ ، تاريخ الخلفاء : ٢٢٥.

(٢) انظر : الإبانة  ــ  لأبي الحسن الأشعري  ــ  : ١٧٨  ــ  ١٧٩ ، شرح المقاصد ٥  /  ٣٠٨ ، تطهير الجنان : ٤٢ .

(٣) طبع بهامش الصواعق المحرقة الطبعة الميمنية سنة ١٣١٢ ه ــ  ، وبذيل طبعة دار الكتب العلمية .

١٩

عمليّةً ؛ بأن يجب على الأمة نصبُ إمام حاضر ، ولا دخل لها بالاعتقاد بإمامة إمام غابر (١)

وتعليله لذلك بأن معظم الإسلام منوط بآرائهم ، خطاً ؛ لأن اتباع أقوالهم عندهم لا يتوقف على الاعتقاد بإمامتهم ، وإنما يتوقف على اجتهادهم ، كسائر الصحابة .

على أنا لا نعرف أحكاماً مأخوذةً من آرائهم سوى الأحكام التي ابتدعوها ، ومرّ عليك بعضُها .

وأما ما زعمه من أن المباحثة والمعارضة أنفع المنافع عند المجادلين من الرفضة ، ففيه :

إنّ همة الشيعة ورفضة الباطل ، أعلى وأرفع من هذه الغاية ، كيف ؟ وأدلتهم القويمة شاهدةً بأن غايتهم هدايه الأنام ، وقصدهم بالزام الخصم بحجته إرشاده إلى الحق .

ومن المضحك إطلاقه الغيبة الضارّة على ذكر مطاعن معاوية ؛ فإن الغيبة الضارّة هي ذكر المؤمن بما يكره ، والكلام في إيمان معاوية .

على أن هذا الذكر لو حرم لسقط علم الرجال ، وانسدّ باب الجرح ، من أوليائه .

مع أنّ المصنف رحمه‌الله إنما أخذ ذلك منهم ، ورواه عنهم ، فهم أوّل من استغاب معاوية ، بل الله سبحانه أوّل من استغابه وعشيرته حيث أظهر أسواءهم ، ووصفهم بأنّهم الشجرة الملعونة في القرآن (٢) ، واتبعه نبيه

__________________

(١) راجع ج ٤  /  ١٨٦ من هذا الكتاب .

(٢) وهو قوله تعالى : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة

٢٠