دمشق في مرآة رحلات العصور الوسطى - ج ٢

الدكتور أحمد ايبش

دمشق في مرآة رحلات العصور الوسطى - ج ٢

المؤلف:

الدكتور أحمد ايبش


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث المجمع الثقافي
الطبعة: ١
ISBN: 978-9948-01-228-3
الصفحات: ٥٥٩

١
٢

٣

يصدر هذا الكتاب

في الذكرى المئويّة لوفاة المغفور له

بإذن الله تعالى

سموّ الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان

(الشيخ زايد الكبير)

حاكم أبوظبي ١٨٥٥ ـ ١٩٠٩ م

إجلالا وإكبارا لذكراه الكريمة

واعتزازا بمسيرة الخير والبناء التي بدأها

ويتابعها على خطاه اليوم أحفاده الكرام

٤

ـ ٤٤ ـ

محيي الدّين ابن عبد الظاهر

(توفي ٦٩٢ ه‍ / ١٢٩٢ م)

أرّخ لرحلات السّلطان الظاهر لدمشق بين ٦٥٩ ـ ٦٧٦ ه

محيي الدّين أبو الفضل عبد الله بن رشيد الدّين عبد الظاهر بن نشوان السّعدي المصري ، قاض أديب ومؤرّخ ، مؤلّف سيرة الملك الظاهر بيپرس المسمّاة «الرّوض الزّاهر في سيرة الملك الظاهر».

لم يكن الرّجل من الرّحالين ، لكن ما دونّه في سيرته من مجريات رحلات الملك الظاهر بيپرس الخاطفة والمتكرّرة من مصر إلى الشّام لها مكانة فريدة وقيمة خاصّة تؤهّلها لتصنّف هنا مع نصوص الرّحلات. لنا في ذلك أسوة بما سنذكره في كتابنا أدناه من رحلات لسبعة سلاطين ، كالأشرف قايتباي (في نص ابن الجيعان) ، وكانت لهذين السّلطانيين المملوكيين رحلات إلى الشام اشتهرت ، فكلاهما كان موفور الحركة والنشاط في متابعة أركان دولته. نقارن بينهما رغم بعد الفترة الزّمانية ما بين مطلع العهد المملوكي وأواخره (١).

ولد محيي الدّين في القاهرة عام ٦٢٠ ه‍ ونشأ بها ، فعاصر انهيار دولة بني أيّوب عام ٦٤٨ ه‍ وقيام دولة سلاطين المماليك البحرية (أو دولة المماليك الأولى) ، الذين آل إليهم حكم مصر. وكان أول سلاطين المماليك الملك المعزّ أيبك التّركماني الذي تزوّج من شجرة الدّر أرملة السّلطان الأيوبي الصّالح أيّوب.

__________________

(١) من أهمّ رحلات الحكّام إلى الشام (تقدّمت) رحلة الخليفة العبّاسي المتوكّل على الله (ولي ٢٣٢ ـ ٢٤٧ ه‍) في عام ٢٤٣ ـ ٢٤٤ ه‍ ، وكان عازما على نقل دار الخلافة إلى دمشق.

٥

بعد مقتل المعزّ بعامين تولّى المظفّر قطز ٦٥٧ ه‍ ، وفي العام التالي قاد جيوش مصر والشام ضد التّتار الذين اجتاحوا بغداد والشام بين ٦٥٦ ـ ٦٥٨ ه‍ ، فكسرهم أشنع كسرة في معركة عين جالوت الفاصلة. غير أن المؤسّس الفعلي لدولة المماليك مع ذلك لم يكن المعزّ أيبك ولا المظفّر قطز ، بل كان السّلطان القوي الظاهر بيپرس الذي تولّى سدّة السّلطنة في عام ٦٥٨ ه‍ وبقي بها ١٧ سنة حتى وفاته ٦٧٦ ه‍.

كان محيي الدّين رئيس ديوان الإنشاء عندما تولّى بيپرس الحكم ، ويبدو أن عمله في الدّيوان كان من أيام الملك المظفّر قطز على الأقل ، فقد رافق حملته إلى الشام ضد التّتار. وسرعان ما نال الرّجل ثقة بيپرس بعد تولّيه الحكم ، فبدأ يعتمد عليه في بعض المهمّات الإدارية ، وأول ذلك كان سفارته إلى الملك السّعيد بركة خان زعيم القبيلة الذّهبية التّتريّة ، يستميله إليه ضدّ ابن عمّه هولاگو خان.

والسّيرة التي ألّفها تزخر بما كان يدونّه من مراسلات إداريّة وديپلوماسيّة باسم السّلطان. وإن طبيعة عمله جعلته على اتّصال دائم به ، ممّا مكّنه من الاطّلاع على تفاصيل وافية من شؤون حياته السّياسية والشخصية ، فغدا كتابه «الرّوض الزّاهر» أول مصدر عن حياة الظاهر وبلاد مصر والشام والحجاز في عهده. وكان (مع كتاب مماثل لعزّ الدّين ابن شدّاد) بمثابة السّيرة الرّسمية للظاهر ، لا كباقي المصادر العامّة لتلك الفترة : كمفرّج الكروب لابن واصل ، زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة لبيپرس الدّوادار ، ذيل مرآة الزّمان لليونيني ، نهاية الأرب للنّويري ، النّجوم الزّاهرة لابن تغري بردي. كما يبزّ سيرة الظاهر لابن قايماز الذّهبي التّركماني ، لتأخّره.

استمرّ محيي الدّين في مركزه بديوان الإنشاء طوال فترة حكم بيپرس ، وأثناء حكم ابنيه الملك السّعيد بركة خان والملك العادل سلامش (٦٧٦ ـ ٦٧٨ ه‍) ، وخلال الفترة الأولى من حكم السّلطان المنصور قلاوون (تولّى ٦٧٨ ه‍ بعد خلع سلامش) الذي أحلّه مكانة لائقة واعتمد عليه في ديوان الإنشاء برغم ما طرأ على نظره بأواخر حياته من ضعف ، كما يذكر شافع بن علي في مختصره على «الرّوض الزّاهر» ، المسمّى «حسن المناقب السّريّة المنتزعة من السّيرة الظاهريّة».

٦

وإلى جانب سيرة بيپرس ألّف محيي الدّين كتابا آخر عن حياة الملك المنصور قلاوون ، سمّاه : «تشريف الأيام والعصور في سيرة السّلطان الملك المنصور» ، وبعده كتب أيضا : «الألطاف الخفيّة من السّيرة الشّريفة السّلطانيّة الأشرفيّة» ، عن عهد السّلطان الأشرف خليل بن قلاوون ، الذي تولّى السّلطنة عام ٦٨٩ ه‍ إثر وفاة أبيه السّلطان قلاوون. فعاصر بذلك سبعة من سلاطين الدّولة المملوكية الأولى ، من المعزّ أيبك إلى الأشرف خليل ، وأرّخ لسير ثلاثة منهم.

* * *

يجمع المؤرّخون على أن الظاهر بيپرس كان واحدا من ألمع شخصيات التاريخ الإسلامي في العصور الوسطى ، قام في سنوات حكمه التي دامت ١٧ عاما بأعمال باهرة ، فكان المؤسّس الفعلي لسلطنة عظيمة امتدّت من حدود النّوبة إلى نهر الفرات ودامت ٢٧٥ عاما (٦٤٨ ـ ٩٢٣ ه‍). تزامن قيام هذه السّلطنة مع قضاء أمراء المماليك على الحملة الصليبية السّابعة بقيادة الملك لويس التاسع ، إثر معركة المنصورة عام ٦٤٨ ه‍ ، ثم سحقهم لجيش التّتر في عين جالوت بالغور عام ٦٥٨ ه‍ ، حيث كان لبيپرس دور كبير كما رأينا أعلاه في نصّ الصّارم.

ثم لّما تربّع بيپرس في سدّة حكم دولة المماليك ـ وهو رجل حرب من الطراز الأول ـ صمّم على اقتلاع شأفة الفرنجة ، وباشر على الفور في تنفيذ هذا المهمّة دون تلكّؤ. بعد ضربات موجعة في نحرهم ، استطاع أن يستخلص منهم قيساريّة وأرسوف وصفد ويافا وشقيف أرنون وأنطاكية ، فانحسرت إمارة أنطاكية وطرابلس اللاتينية إلى مجرد كونتيّة طرابلس. ثم تمكّن من انتزاع حصن صافيتا وبعده حصن الأكراد (قلعة الحصن في أيامنا) وعكّار.

فتحت هذه الانتصارات الباب على مصراعيه لتقويض الوجود الفرنجي في بلاد الشام بشكل نهائي ، ففي عام ٦٨٨ ه‍ فتح المنصور قلاوون طرابلس ، ثم سقطت عكّا ـ عاصمة «مملكة القدس» وآخر معاقل الفرنجة ـ بيد ابنه الأشرف خليل عام ٦٩٠ ه‍ ، لينتهي إلى الأبد الاحتلال الصليبي للمشرق الإسلامي.

٧

كان الظاهر جبّارا شجاعا يباشر الحروب بنفسه ، وله الوقائع الهائلة مع التّتر والفرنج ، وآثاره وعمائره وأخباره وفتوحاته كثيرة جدا. أثارت بطولاته ورجولته وهمّته الدّائبة مشاعر الكتّاب والمؤرّخين فعقدوا لسيرته كثيرا من التواريخ المبنيّة على الأحداث الواقعة ، ثم لّما تنامت أخبار بطولاته وجرأته العجيبة تحوّلت سيرته إلى ما يشبه الأسطورة ، فكتبت فيها روايتان شعبيتان بنسختين : مصريّة ، وأخرى مطوّلة شاميّة (تنسب للدّيناري) ، وهي إلى اليوم أبدع نصوص الأدب الشعبي الذي وصلنا من العصور الوسيطة ، وما زالت تتلى في المقاهي الشعبية على ألسنة رواة الملاحم «الحكواتية» ، كما هو معروف.

من بين هذا كلّه ، تبقى لسيرة الظاهر بقلم معاصره وموظّف بلاطه القاضي محيي الدّين أهميّتها الخاصّة ومباشرتها في الرّواية ، على اعتبار أن كاتبها كان شاهد عيان لما يكتب. فقمنا باستخلاص أخبار رحلاته المتكرّرة إلى الشام منها ، وذلك عن طبعة نشرها عبد العزيز الخويطر في بيروت عام ١٩٧٦.

المصادر :

الرّوض الزّاهر لابن عبد الظاهر ، مقدّمة عبد العزيز الخويطر.

تشريف الأيام والعصور لابن عبد الظاهر ، مقدّمة مراد كامل.

حسن المناقب السّريّة لشافع بن علي ، مقدمة عبد العزيز الخويطر.

تاريخ الملك الظاهر (الرّوض الزّاهر) لعزّ الدّين ابن شدّاد.

السّلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي ، ١ : ٤٣٦ ـ ٦٤١.

النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي ، ٧ : ٩٤.

فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي ، ٢ : ١٧٩.

بدائع الزّهور في وقائع الدّهور لابن إياس ، ١ : ٣٠٨ ـ ٣٤٢.

دائرة المعارف الإسلامية (الطبعة الأولى) ، مادّة بيپرس لزوبر نهايم ، ٤ : ٣٦٣.

الظاهر بيپرس وحضارة مصر في عصره لجمال الدّين سرور.

الظاهر بيپرس لسعيد عبد الفتّاح عاشور.

٨

حضور الملكين

صاحب حمص وصاحب حماة

[سنة ٦٥٩ ه‍]

لمّا وصل السّلطان إلى دمشق وصل إلى خدمته الملك المنصور صاحب حماة ، والملك الأشرف صاحب حمص (١) ، فتلقّاهما بالإكرام وأنعم عليهما بخيل النّوبة والعصائب وشعار المملكة ، وركب كلّ منهما بمفرده والأمراء مترجّلون في خدمتهما وكتب لهما بالتّقاليد. وزيد الملك الأشرف تلّ باشر ، والملك المنصور بلاد الإسماعيليّة ، وتوجّها إلى بلادهما.

(الرّوض الزّاهر ، ١١٧)

__________________

(١) هو ذاته صاحبنا الذي تقدّم ذكره أعلاه في مغامرة مملوكه الصّارم أزبك ، والآن صار يسمو بفخر كسره للتّتر على حمص في مطلع هذا العام ٦٥٩ ه‍.

٩

ذكر الصّلح مع الفرنج

[سنة ٦٥٩ ه‍]

لمّا توجّه السّلطان إلى جهة الشام سيّر سير جوان دبلين كند يافا (١) ، يبذل الطاعة وحمل الإقامات ...

ولمّا استقرّت الأخبار عند الفرنجيّة بقدوم الرّكاب الشّريف ، بعثوا الإقامات العظيمة ، وبعثوا رسولهم يهنّون السّلطان بالسّلامة. ولمّا وصل إلى دمشق حضر رسول من جهة عكّا يسأله أمانا للرّسل المتوجّهين من البيوت كلّها ، فكتب إلى والي بانياس بتمكينهم. فحضر أكابر الفرنج والتمسوا الصّلح ، فتوقّف السّلطان عليهم وطلب منهم أمورا كثيرة ، فلمّا امتنعوا زجرهم السّلطان وأهانهم. وكان العسكر قد توجّه للغارة على بلادهم من جهة بعلبك ، فسألوا في رجوعه.

(الرّوض الزّاهر ، ١١٧)

__________________

(١) هو الكونت جان ديبلان الثاني Jean II d\'Ibelin ، صاحب يافا وحفيد القائد الشهير جان ديبلان الأول (سيّد بيروت العجوز) le vieux sire de Beyrouth مقدّم بارونات الأرض المقدّسة في مملكة القدس اللاتينية وأرفع مثال للفروسية والنّبالة بها عند مؤرّخي الفرنجة.

يذكره ابن عبد الظاهر في كتابه (ص ٢٩٢): «صاحب يافا جوان دبلين ، يعني دبلين نسبه إلى يبنى التي فيها قبر أبي هريرة ، فإن أصله منها». قلنا : والملاحظ أن مؤلفنا يضبط أسماء أعلام الفرنجة بدقّة كبيرة ، على نقيض ما نراه عادة في مصادرنا القديمة. أما يبنى هذه ، التي سمّاها الصليبيون Ibelin إيبلان ، فهي بلدة في فلسطين بالقرب من الساحل إلى الجنوب من يافا وغربي اللّدّ.

١٠

ذكر ما فعله في الشام

[سنة ٦٥٩ ه‍]

لمّا دخل السّلطان إلى دمشق جهّز الخليفة ـ كما ذكرناه ـ والملوك ـ حسبما شرحناه ـ وحضر إليه أمراء العربان ، فأعطاهم ووصل أرزاقهم ، وسلّم لهم بخفر البلاد وألزمهم بحفظها إلى حدود العراق. وفوّض إلى الأمير علاء الدّين الحاج طيبرس الوزيري نيابة السّلطنة بالشام ، وولّى القاضي شمس الدّين أحمد بن خلكان ، على ما ذكرناه.

ولعب السّلطان في ميدان دمشق ، فرأيت في خدمته جماعة من الملوك ، وهم : الملك الصّالح صاحب الموصل ، الملك المجاهد صاحب الجزيرة ، الملك المظفّر صاحب سنجار ، الملك علاء الملك ، الملك الأشرف صاحب حمص ، عمّه الملك الزّاهر ابن أسد الدّين ، الملك المنصور صاحب حماة ، وأخوه الملك الأمجد تقيّ الدّين بن الملك العادل أبي بكر ، الملك المنصور والملك السّعيد والملك المسعود أولاد الصّالح إسماعيل ، الملك الأمجد وإخوته أولاد الملك النّاصر داود ، الملك الأشرف ابن اقسيس ، الملك القاهر بن المعظّم ، وجماعة كبيرة منهم.

وهذا ما لا رآه ملك آخر. حكى ابن الأثير في تاريخه (١) ، قال : ركب السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب ـ رحمه‌الله ـ في بعض الأيام ، فعضده رجل كان في خدمته من السّلاجقة ، وعدّل ثيابه رجل من بيت أتابك ، فرآه رجل فقال (٢) : «ما بقيت تبالي بالموت بعدها يا بن أيّوب ، سلجوقي يعضدك ، وأتابكي يعدّل ثيابك!». فأين هذا القائل يشاهد السّلطان وهؤلاء الملوك في خدمته؟

(الرّوض الزّاهر ، ١١٩)

__________________

(١) الكامل ، حوادث سنة ٥٨٧ ه‍ ، ١٢ : ٣٣.

(٢) وجه الغرابة أنه كان مجرّد تابع للأمراء الأتابكة ، وهم نوّاب الملوك السّلچوقيّة الكبار.

١١

[دخول السّلطان دمشق في شوّال سنة ٦٦٤ ه‍]

[من فصل]

ذكر تسليم صفد

وفي سابع وعشرين شوّال رحل متوجّها إلى دمشق ، فنزل بالجسورة ، وأمر بأن العساكر لا تدخل دمشق بل تبقى على حالها لتتوجّه إلى سيس. ودخل دمشق جريدة ، ورسم بتوجّه الملك المنصور صاحب حماة مقدّما على العساكر إلى سيس ووصّاه بما يعتمد وجهّزه.

وفي ثالث ذي القعدة توفّي كرمون آغا (١). وفي ثامنه أنعم على أمراء دمشق وقضاتها ، وأرباب المناصب بالتّشاريف. ولمّا استقر السّلطان بدمشق نظر في أمر جامعها ، ومنع من مبيت الفقراء به وأزال صناديقهم التي كانت ضيّقت الجامع ، ووسّعه للمصلّين ، قال الله تعالى (٢) : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ.) قال العلماء : «تغلق فلا تفتح إلا أوقات الصّلوات».

وفي عاشر الشهر ، جلس الأتابك مع الأمير جمال لكشف ظلامات النّاس والتّوقيع على القصص بدار بدار السّعادة. وتوجّه السّلطان إلى عذراء وضمير (٣) متصيّدا ، وما أحضر أحد صيدا إلا خلع السّلطان حتى الغلمان والسّوقيّة ، وفرغت الخلع فأطلق لهم دراهم.

وفي ذي القعدة جمع السّلطان أهل البلاد ، وطلع الجبل الذي عند جرود وصحبته الأمراء ، وكان يوما شديد الحرّ ، واشتدّ العطش فكاد النّاس يهلكون ، فدلّهم شخص من الجبليّة على عين ماء جارية لكنها يسيرة النّبع ، فوقف السّلطان عندها وصار يسقي النّاس بيده ، وهذه كرامة ، وما أحقّه بقول الشاعر :

__________________

(١) من أمراء التّتر ، أسلم على يد السّلطان وجاهد معه في أرسوف ، الرّوض ١٨٠ ، ٢٣٨.

(٢) سورة النّور ، ٣٦.

(٣) تقع عذراء والضّمير شمال شرق دمشق على أكناف وعرة الصّفا وبادية الحماد ، ولذا كانتا قديما (حتى أواخر القرن العشرين) مرتعا مفضّلا لصيد الغزلان والأرانب والطيور بأنواعها ، ومنها المائية كالبطّ الأسود الذي يكثر على خبرات الماء.

١٢

والله لولا الخوف من

ه مهابة بات يزار

ثم ضرب حلقات صيد ، فعمل مؤلّف السيرة (١) :

يا أيها الملك الذي

فيه العقول غدت تحار!

يا من إليه بفعل ما

يرضى الإله غدا يشار؟

بالله قل لي ، هل دم

يجريه سيفك أم بحار؟

وهل الخيول لها مس

ير تحت سرجك أم مطار؟

إن السّيوف تركتها

لا يستقرّ لها قرار!

عوّدتها سفك الدّماء

فما لها عنها اصطبار!

لم يبق في الدّنيا فر

نج ، لا ولا بقيت تتار!

فالوحش عن مهج العدى

لما تفانت تستعار!

وأظنّها بك سوف تق

فر من سوانحها القفار!

إن الدّماء من العدى

والوحش أفناها الغرار!

فاسلم ودم في نعمة

وبعزّ بابك يستجار!

(الرّوض الزّاهر ، ٢٦٣ ـ ٢٦٥)

__________________

(١) يعني المؤلف بذلك نفسه ، وهذا شعر غثّ رديء لا يعتدّ به.

١٣

[أخبار للسّلطان بدمشق سنة ٦٦٤ ه‍]

[من فصل]

ذكر ما جرى للأمير أحمد بن حجّي وولده

وفي هذه الأيام أبطل السّلطان ضمان الحشيشة ، ابتغاء ثواب الله تعالى ، وأمر بتأديب آكلها. وأمر ببناء مكان بجبل المزّة للشيخ خضر (١) ، وتوجّه إلى الشيخ خضر وزاره. وشاهد المقاسم (٢) التي عمّرت في دولته ، وهي أحسن ممّا عمّر في زمن الرّوم (٣).

(الرّوض الزّاهر ، ٢٦٥)

__________________

(١) الشيخ خضر كان شيخا صوفيا يعظّمه الظّاهر ويعتقده ويبالغ في إكرامه ويزوره أسبوعيا ويباسطه ويمازحه ، بسبب أنه كان يقول عنه وهو أمير إنه سيلي الملك. ورد ذكره في نصّ ابن شدّاد أعلاه ، وسيرد أدناه في زيارة الظاهر للشام عام ٦٦٧ ه‍. ذكره ابن كثير وفاته عام ٦٧٦ ه‍ في البداية والنهاية ، وفيه أن اسمه خضر بن أبي بكر بن موسى الكردي النهرواني العدوي. ونقل خبره كذلك ابن تغري بردي الأتابكي في كتابه «النّجوم الزّاهرة» (٧ : ١٦١ ، ٢٧٦). كما يرد في نصوص المؤرّخين الدمشقيين ، كابن كنّان في «المروج السّندسيّة» (ص ٢٢) أنه عمّر في الجبل فوق الرّبوة «قبّة الخضر» ، ثم زاد افتتانه بالنساء وصدرت عنه فواحش ، فحبسه السّلطان إلى أن مات.

(٢) هذه إشارة نادرة للغاية حول أن مقاسم نهر بردى بين الرّبوة والهامة إنّما تمّ إعمارها في أيام الظاهر سنة ٦٦٤ ه‍ ، ولم يكن ذلك معروفا على الإطلاق لمن يبحث في تاريخ دمشق.

وسنرى في هذا الكتاب كيف أن مقاسم أنهار دمشق السبعة وتفريعاتها ودقّة جرايتها كانت مضربا للأمثال بذلك العصر ، ومنها سترد قصّة النّقب الذي أجريت فيه (قديما) مياه ثورا عند الرّبوة (في نصّي ابن الوردي والبدري).

(٣) قوله : في زمن الرّوم ، إشارة إلى كون مجاري قنوات مياه دمشق ومخرج عين الفيجة بغربيها كانت جميعها من عمل الرّومان ثم البيزنطيين. وكنا درسنا حرم نبع الفيجة وثبت لنا أن البناء بيزنطي وفيه اسم الإمبراطور مرقيانوس (حكم ٤٥٠ ـ ٤٥٧ م) ، كما قرأناه منقوشا باليونانية ، وكتبنا ذلك في موسوعتنا «خطط ريف دمشق».

١٤

[السّلطان في دمشق أواخر سنة ٦٦٥ ه‍]

[من فصل]

ذكر غزوة سيس وأسر ملكها

ولمّا وردت هذه الأخبار إلى السّلطان ، كان في الصّيد بجرود (١) ، أعطى المبشّر ألف دينار. ودخل السلطان دمشق فتجهّز وخرج ، فعيّد في حماة وسار منها إلى أفامية ، ورحل منها للقاء العساكر في ثالث عشر ذي الحجّة ، وكان قد أخرج نصيب السلطان من الغنائم ، فلمّا التقته العساكر فرّق ذلك على عساكره ، وأحسن إلى صاحب سيس (٢) ومن معه في الأسر.

وعاد السلطان إلى دمشق في رابع وعشرين ذي الحجّة ، فدخلها مطلبا ، وصاحب سيس وابن عمّه وأصحابه بين يديه ، وخلع على الملوك والأمراء الشاميّة والمقدّمين. وسيّر لصاحب حماة الخيول والأموال والخلع له ولجميع أصحابه ، وودّعه وتوجّه إلى مملكته. وامتلأت دمشق بالمكاسب وبيع من الجواهر والحلي والرّقيق والحرير ما لا يحصى ، وما تعرّض السّلطان إلى شيء من ذلك.

وخرج السّلطان من دمشق في يوم الإثنين ثاني المحرّم ، سنة خمس وستين وستمائة ، إلى جهة الكرك ، وفارق العسكر من الفوّار وتوجّه جريدة.

(الرّوض الزّاهر ، ٢٧١)

__________________

(١) أي بلدة جيرود المعروفة في لحوف القلمون الأدنى ، شمال شرق دمشق.

(٢) سيس عاصمة مملكة أرمينيا الصغرى القديمة في كيليكيا (١١٨٦ م) ، تقع اليوم في جنوب تركية.

١٥

ذكر خروج السلطان إلى الشام لعمارة صفد

[سنة ٦٦٥ ه‍]

في يوم السبت عشرين جمادى الآخرة [٦٦٥ ه‍] ، توجّه السلطان في جماعة من أمرائه ، وأراح بقيّة العساكر بالدّيار المصرية. ولمّ وصل غزّة ورد إليه رسل الفرنج بهديّة وجماعة من أسرى المسلمين ، كساهم السلطان وأطلقهم.

وسار السلطان إلى صفد ، فعند وصوله إليها بلغه أن التّتار على عزم قصد الرّحبة. فرتّب أمر عمارة صفد وتوجّه إلى دمشق المحروسة مسرعا ، فوصل إلى دمشق رابع عشر رجب ، فاهتمّ بأمر الرّحبة وعزم على الخروج بسببها. وخرجت الخزانة ، فورد الخبر برجوع التّتار وأن العسكر المجرّد في الرّحبة تبعوهم وقتلوا منهم وأسروا ، وقتلوا شخصا من كبارهم.

فلما تحقّق السلطان ذلك عاد إلى جهة صفد ، وكان مقامه بدمشق مقدار خمسة أيام (١).

(الرّوض الزّاهر ، ٢٨٠)

__________________

(١) لا بدّ لنا أن نذكر هنا ما فات ابن عبد الظاهر ذكره عن دخول الظاهر دمشق سنة ٦٦٦ ه‍ ، ففي مستهلّ شهر رمضان من السنة المذكورة نزل على مدينة أنطاكية يحاصرها ، وهي من أعظم إمارات الصليبيين في المشرق ، فتمّ له فتحها في يوم السبت ١٤ رمضان ، وغنم منها شيئا كثيرا ووجد من أسارى المسلمين من الحلبيين فيها خلقا كثيرا ، كان صاحبها الپرنس بوهيمون السادس Bohemond VI (بيمند ، صاحب أنطاكية وطرابلس) أسرهم عندما هربوا من حصار التّتر لحلب (راجع نصّ الصّارم أعلاه).

وحول دخول الظاهر دمشق ظافرا عقب هذا الفتح العظيم ، ننقل من تاريخ ابن كثير (البداية والنهاية ، حوادث ٦٦٦ ه‍): «وعاد السّلطان مؤيّدا منصورا ، فدخل دمشق في السابع والعشرين من رمضان من هذه السنة ، في أبّهة عظيمة وهيبة هائلة ، وقد زيّنت له البلد ودقّت له البشائر فرحا بنصرة الإسلام على الكفرة الطّغام».

١٦

ذكر وفاة الأمير عزّ الدّين الحلي

[شعبان سنة ٦٦٧ ه‍]

لمّا خرج السّلطان لسماع رسالة الملك أبغا ، خرج الأمير عزّ الدّين الحلي معه ، فلمّا نزل السّلطان أرسوف طلب دستورا وتوجّه إلى دمشق لملاحظة أملاكه ، فأقام بها مدّة ، ولمّا عبر السّلطان إلى دمشق أطلق له شيئا كثيرا من مال وقماش.

وزار السّلطان شيخا من الفقراء (١) بجبل المزّة ـ وكان الأمير عزّ الدّين في خدمته ـ وقام الأمير عزّ الدّين ليجدّد الوضوء ، فقال الشيخ للسّلطان : «هذا يموت في هذه الأيام ، ولا بقي يخرج من دمشق». فعجب السّلطان من هذا الحديث فإنه كان كالأسد قوّة. وفي ثاني يوم قيل إن الأمير عزّ الدّين بات متشوّشا (٢) ، فتوفي في أوائل شعبان ، وحضر ولده إلى الدّهليز بخربة اللّصوص ، وأحسن السّلطان إليه وسيّره إلى الدّيار المصرية. ولمّا وصل السّلطان إلى الدّيار المصرية كما ذكرنا أمّره بأربعين فارسا.

وأمّر أربعة من أكابر الأمراء ، وهم : الأمير سيف الدّين قلاون الألفي ، والأمير عزّ الدّين أوغان ، والأمير بدر الدّين بيسري الشّمسي ، والأمير بدر الدّين أمير سلاح ، بأنهم يباشرون الحوطة على ماله. فباشروا ذلك ، ولم يتعرّض السّلطان له إلى شيء مع كثرة ميراثه.

(الرّوض الزّاهر ، ٣٥٠)

__________________

(١) هو ذاته الشيخ خضر بن أبي بكر المهراني العدوي ، الذي تقدّم ذكره في نص سابق أعلاه من سنة ٦٦٤ ه‍.

(٢) لا بدّ أن خضرا هذا النّصاب سقاه شيئا من العقاقير فتدهورت صحّته ومات. يكفي أن نقرأ بسيرة حياته كيف كانت النساء لا يحتجبن منه ـ لصلاحه وتقواه العظيمين ـ فيصول بينهنّ ويجول كما يشاء ويحبّ ، إلى أن حبسه السّلطان حتى مات.

١٧

ذكر توجّه السّلطان إلى دمشق وحلب

[مستهلّ سنة ٦٦٨ ه‍]

لمّا وصل السّلطان إلى الكرك بات بها كما ذكرنا (١) ، وأصبح يوم الجمعة مستهلّ السنة صلّى الجمعة بالكرك ، وركب جريدة على يده فرس ، وعلى يد كل من أصحابه فرس ، وساق إليها. ولمّا قاربها ، والنّاس لا يعلمون شيئا من حاله ، ولا يدري هل هو في شام أو حجاز أو غيره ، ولا يجسر أحد يتكلّم ، سيّر أحد خواصّه في البريد إلى دمشق بكتب البشائر بسلامته وقضاء حجّته.

فأحضر الأمير جمال الدّين النّجيبي الناس ليسمعوا البشرى ، فبينما هم في ذلك ، وقد بلغهم أن السّلطان في الميدان ، فتوجّه إليه الأمير جمال الدّين ، وجد السّلطان قد نزل في الميدان بمفرده ، ووهب فرسه لإنسان من منادية سوق الخيل عرفه ، وقبّل الأرض بين يديه. وحضر إلى خدمته الأمير شمس الدّين آقسنقر أستاذ الدّار والأمراء المصريون ، وأكل شيئا.

وتوجّه النّاس ليستريح السّلطان ، فقام وركب في جماعته اليسيرة ، وتوجّه إلى حلب ، وحضر النّاس إلى الخدمة فلم يجدوا أحدا. ودخل السّلطان حلب والأمراء في المواكب ، فساق إليهم فما عرفه أحد ، وبقي ساعة حتى عرفه الصّروي ، فنزل الأمراء وقبّلوا الأرض ، ونزل بدار نائب السّلطنة بحلب ، وشاهد قلعتها ، وعاد منها ولم يدر به أحد.

فوصل إلى دمشق في ثالث عشر المحرّم ، ولعب الكرة ، وركب في الليل وتوجّه إلى القدس الشريف والخليل ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ فزارهما وتصدّق. وكان العسكر المصري قد سبقه صحبة الأمير شمس الدّين آقسنقر أستاذ الدّار العالية

__________________

(١) هذه الرّحلة إلى الشام كانت عقب رحلة السّلطان إلى الحجاز لأداء فريضة الحجّ أواخر سنة ٦٦٧ ه‍ ، وكانت الغاية منها عدا الحجّ تثبيت أركان حكمه واستعراض مقدرته على متابعة دولته. وسبب جهل أركان الدّولة بمجيئه أنه كان يتعمّد الحركة بسريّة تامّة تحاشيا لانتشار أخبار سفره ، إلى درجة أن أمر بقطع لسان الحاجب بمصر حينما ندّت عنه عبارة عفوية بخصوص هذه السّفرة. راجع ما تقدّم في الرّوض الزّاهر ، ٣٥٤.

١٨

إلى تلّ العجول ، وحضر السّلطان إلى تلّ العجول. وكان قد صلّى الجمعة في الكرك ، والجمعة الأخرى في حلب ، والجمعة الأخرى في دمشق ، وحضر إلى تلّ العجول ، وذلك كلّه في عشرين يوما ، وما غيّر عباته التي حجّ فيها. وسارت العساكر صحبته من تلّ العجول في حادي وعشرين المحرّم ، وخرج ولده الملك السّعيد إلى الصّالحيّة والتقاه بها ، ودخل قلعته في ثالث صفر.

(الرّوض الزّاهر ، ٣٥٩)

* * *

١٩

ذكر حركته إلى الشام جريدة

[ربيع الأول سنة ٦٦٨ ه]

ولمّا بلغته حركة التّتار ، وأنهم تواعدوا مع الفرنج السّاحليّة ، وتقوّى الفرنج بمن وصل إليهم من أصحاب الرّيدراكون (١) ، وأن التّتار أغاروا على السّاجور قريبا من حلب ، وعلى جهة أخرى وأخذوا مواشي العربان ، استشار الأمراء في توجّهه جريدة ، فأشاروا عليه بأن يخرجوا هم قبله ويبقى السّلطان بقلعته. فلم ير أن يتلقّى هذا الأمر إلا بنفسه ليكتب في حسناته ، وأفهم الله الخلائق أنه وحده يقوم مقام العساكر الكثيرة في هزم الأعداء ، وأنه إنما يطعم عساكره لوجه الله لا يريد منهم جزاء ولا شكورا ، وأنه اسمه يستردّ الأعداء المتوثّبة من كل جانب ويصيبهم بسهام المصائب.

فأراح عساكره ، وجرّد الأمير علاء الدّين البندقدار بجماعة من العسكر ليقيموا في أوائل البلاد الشاميّة ، لاحتمال أنه إذا طلبهم ساروا إليه. وسار السّلطان في جماعة يسيرة من قلعته ، وذلك ليلة الإثنين حادي وعشرين ربيع الأول ، ووصل غزّة. وتوالت الأمطار وسقيت البلاد بوجهه المبارك ، وسار فوصل دمشق سابع ربيع الآخر ، ووردت إليه الأخبار بانهزام التّتار عندما سمعوا بوصول السّلطان.

(الرّوض الزّاهر ، ٣٦١)

__________________

(١) أي ملك مملكة آراغون الواقعة في شمال شرق إسپانيا ، وعاصمتها سرقسطة. والعبارة مصحّفة عن الإسپانية : Rey d\'Arago ? n. وملك الآراغون آنذاك كان خايمي الأول Jaime I de Arago ? n ، حكم بين ١٢١٣ ـ ١٢٧٦ م.

٢٠