محاضرات في أصول الفقه - ج ١

الدكتور عبد الجبّار الرفاعي

محاضرات في أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

الدكتور عبد الجبّار الرفاعي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
المطبعة: سرور
الطبعة: ٢
ISBN: 964-465-037-9
ISBN الدورة:
964-465-036-0

الصفحات: ٤٥١
الجزء ١ الجزء ٢

١

٢

٣
٤

المقدمة

مثلما كان المنطق الصوري الأرسطي العلامة الفكرية المميزة للحضارة اليونانية ، فإن علم اصول الفقه هو أحد أبرز العلامات الفكرية للحضارة الاسلامية ، ذلك انّ علم الاصول إبداع إسلامي أصيل ، لم يستعره المسلمون من بيئات أخرى ، وإنما نشأ وتطور في عالمنا ، وأضحى بعد فترة وجيزة من ولادته بمثابة المنطق للتفكير الفقهي ، وربما أمكن الافادة منه في العلوم الاسلامية ، ليغدو منطقا لها ، بل منطقا للحضارة الاسلامية ، لو تطور وتكامل بنسق منهجي موضوعي ، ولو لم تكتنف مساره اختلالات منهجية ، اصطبغ اثرها بنزعة عقلية تجريدية افتراضية ، مضافا الى محاولة تعطيله وإعاقة نموه بعد إقفال باب الاجتهاد وحصر المذاهب بالمذاهب المعروفة.

وفي الوقت الذي تحوّل فيه علم الاصول الى نصوص ومستخلصات لأقوال المتقدمين من علماء المذاهب لا يسوغ تجاوزها ، كان هذا العلم ينمو ويتكامل في الحواضر العلمية لمدرسة أهل البيت عليهم‌السلام. وقد بلغ ذروة ازدهاره في المائة سنة الأخيرة منذ عصر الشيخ مرتضى الانصاري الى السيد الشهيد محمد باقر الصدر ، الذي أشاد أركان مدرسة أصولية أودعها ابداعات منهجية ، وغذّاها بمعطيات بحوثه في منطق الاستقراء وفلسفة الاحتمال.

لقد أدرك الشهيد الصدر في وقت مبكر قصور الكتب المتعارفة في الدرس الاصولي ، ان من حيث انتماؤها لمراحل ماضية في تاريخ علم الأصول ، لأنها ـ حسب تعبيره ـ تمثل مراحل مختلفة من الفكر الاصولي ، فالمعالم تعبّر عن

٥

مرحلة قديمة تاريخيا من علم الاصول ، والقوانين تمثل مرحلة خطاها علم الاصول واجتازها الى مرحلة أعلى على يد الشيخ الانصاري وغيره من الأعلام ، والرسائل والكفاية نفسهما نتاج اصولي يعود لما قبل مائة سنة. أو من حيث إن تلك الكتب لم يؤلفها اصحابها كمقررات للدراسة ، وانما هي مؤلفات أصولية تحكي آراء المؤلف وما انتهى اليه هذا العلم في زمانه ، ومن الواضح أن أسلوب كتابة المقرر الدراسي الذي يؤلف للتلامذة المبتدئين في دراسة العلم يختلف عن اسلوب التأليف المستقل الذي يكتبه الاصولي للخبراء في العلم.

لذلك بادر الشهيد الصدر لتدوين مقرر جديد للدرس الأصولي تحت عنوان «دروس في علم الاصول» في حلقات ثلاث ، عرض في كل واحدة منها مباحث علم الاصول ، بمنهجية موحدة ، ولكن بمستويات ثلاثة ، تتفاوت في كمية وكيفية المباحث المطروحة ، حسبما تتطلبه المرحلة الدراسية للتلميذ ، إذ جاء العرض متدرجا في الحلقات ، يطوي الدارس مع كل حلقة يفرغ منها مرحلة ، ويرتقي الى المرحلة الأعلى بالحلقة التالية لها. ولم يقتصر التدرج في العرض على كل حلقة بالنسبة الى سابقتها ، وانما جاء العرض متدرجا في الحلقة نفسها ، فالجزء الثاني من الحلقة الثانية أعلى من الجزء الأول ، وهكذا تتصاعد مباحث الحلقة الثانية مع تقدم التلميذ في دراسة الكتاب ، وكأنه يرتقي سلما.

ومما لا شك فيه ان هذه السمة تنفرد فيها الحلقات ، فهي تواكب السير العلمي للتلميذ وتصعده برفق في دراسته للاصول.

وبموازاة ذلك استوعبت الحلقات تجربة المائة سنة الأخيرة البالغة الأهمية في تطور علم الاصول ، فضمت طائفة من النظريات والآراء أبدعها الدرس

٦

الأصولي في القرن الأخير.

كما صنفت مباحث هذا العلم بتصنيف يحافظ على الاسلوب الثنائي الموروث في تقسيمهما الى مجموعتين هما : مباحث الالفاظ والأدلة العقلية ، مع تعديل أدرج المجموعتين في (الأدلة المحرزة) معتبرا اياها مجموعة أولى في مقابل مجموعة ثانية هي (الأصول العملية) وأدرج في الخاتمة (تعارض الأدلة).

فيما تصدر المباحث (تمهيد) اشتمل على مجموعة مبادئ تتصل بتعريف علم الاصول ، وموضوعه ، وأهميته ، وتعريف الحكم الشرعي وأقسامه ، ويليها بحث حول حجية القطع ، باعتباره عنصرا مشتركا يدخل في كل عمليات استنباط الحكم الشرعي ، سواء ما كان منها قائما على أساس الأدلة المحرزة أو الأصول العملية.

ويبرر الشهيد الصدر تصنيفه للمسائل الاصولية بهذا الاسلوب ، بأنه يجسد في الواقع عملية الاستنباط وما تنطوي عليه من تصنيف للمواقف ، فكما ان عملية الاستنباط تشتمل على مرحلتين مترتبتين ، وهما : الأدلة والاصول ، كذلك البحث في علم الاصول يصنف الى هذين الصنفين. وتظهر ثمرة هذا التصنيف من الناحية التربوية في جعل الطالب مأنوس الذهن بالقواعد الأصولية ، بمواقعها المحددة في عملية الاستنباط.

وبالرغم من أن الشهيد الصدر صاغ الحلقات باسلوب يتجنب تطعيم العبارة بشيء من الألغاز ، وحرص على سلامتها ، وأن تكون واضحة وافية بالمعنى ، إلّا انه لم يدخل على العبارة الاصولية تطويرا مهما ، ولم يترسم أساليب التعبير الحديث في اللغة العربية ، خاصة في الحلقتين الثانية والثالثة ؛ لئلا يحول بين

٧

الطالب والافادة من التراث الاصولي الغزير. مضافا الى ان الحلقات لم تكتب لأبناء اللغة العربية العارفين بأساليبها الحديثة فقط ، وانما كتبت ليدرسها جميع طلاب الحوزات العلمية الذين ينحدرون من شعوب مختلفة في العالم الاسلامي ، وباعتبارهم يتلقون علومهم وثقافتهم من مصادر عربية قديمة ، فيظل الاسلوب القديم هو الأيسر فهما لهم.

ومع ان الحلقات ألفت منذ أكثر من عشرين عاما لكنها لم تنسخ الكتب السابقة في الدرس الاصولي ، ولم يدرسها سوى طائفة من الطلاب في الحوزة العلمية ، وما لبثت حتى هذه اللحظة مقررا اختياريا في الامتحانات والترقية العلمية ، بل عمد بعض الاساتذة لتدوين كتاب جديد للدرس الاصولي في السطوح ، لا يعدو ان يكون تجميعا وتلخيصا للكتب السابقة.

ويعود ضعف الاهتمام بالحلقات الى أسباب عديدة ، من أبرزها وفرة شروح الكتب الاصولية المتعارفة للدراسة مثل «كفاية الأصول» ، وعدم توفر أي شرح للحلقات ما عدا كتاب «الحلقة الثالثة باسلوبها الثاني» لأستاذنا الشيخ باقر الايرواني حفظه الله ، والذي يسّر دراسة الحلقة الثالثة ، وذلل الكثير من الصعوبات أمام أساتذة وطلاب هذه الحلقة.

بينما لم تزل الحلقة الثانية من دون شرح يساعد الطالب على استيعاب مباحثها. وطالما بحث دارسو هذا الكتاب عن أداة تيسر لهم الافادة منه ، إلّا أنهم لم يظفروا بذلك.

ومنذ سنوات قررت تدوين شرح لكتاب الحلقة الثانية ، غير ان زحمة أعمالي وتراكمها أعاقتني حتى الآن عن ذلك ، فاقترح بعض الطلاب مكررا

٨

تحرير وطباعة دروسي المضبوطة على اشرطة ضبط الصوت ، فاستجبت لرغبتهم وباشرت تحرير هذا الشرح ، الذي أرجو ان ينتفع به دارسو الحلقة الثانية.

وأود الاشارة الى جملة أمور تتصل بهذا الشرح :

١ ـ ان هذا الشرح كما ذكرت هو في الاصل دروس منقولة من أشرطة ضبط الصوت ، وقد اجريت عليها بعض التعديلات ، وحرصت على الحفاظ على صورتها التي صيغت فيها ، فلم أعمد لحذف الامثلة المتعددة ، وما ورد من اعادة المطالب ببيان آخر ، والتوضيحات المسهبة أحيانا ؛ لأنّ هدف هذا الكتاب هو تبسيط عرض المسائل وتيسير سبل استيعابها للدارسين. ولذلك قد يتكرر بيان المسألة كلما دعت الحاجة الى ذلك في سياق تدريس كتاب الحلقة الثانية.

٢ ـ اقتصر الشرح على بيان مطالب الحلقة الثانية ، ولم يستغرق في اقحام مطالب اصولية أعلى من مستوى هذه الحلقة ؛ لأنّ كتاب الحلقة الثانية أعد ككتاب دراسي تمهيدي للمبتدئين في دراسة علم الاصول ، وسينتقل الدارس لمستوى أعلى في الحلقة الثالثة ، ومستوى أعمق منه في البحث الخارج.

٣ ـ يجيء هذا الشرح ثمرة لتدريس الحلقة الثانية للمرة السادسة في العام الدراسي ١٤١٨ ه‍ استجابة لطلب مشكور من الشيخ ناصر الشويخ البحراني ، وتطوع الشيخ رشيد القحطاني لكتابة الدروس من اشرطة ضبط الصوت ، والمراجعة اللغوية للاستاذ محسن الاسدي ، وقراءة السيد نوري البطاط ، والاستاذ سرمد الطائي ، وجهود الأخ علي الكربلائي في تنضيد حروف الكتاب واخراجه بهذه الصورة.

٩

فلهم ولجميع الأخوة الذين ألحوا على تحرير هذا الكتاب ونشره خالص امتناني وفائق احترامي وتقديري.

وينبغي الاشارة الى أن كل خطأ أو اشتباه في هذا الشرح فأنا مسئول عنه وحدي ، وهو تعبير عن قصوري ، وقديما قيل : لو كنت انتظر الكمال ما فرغت من عملي هذا.

وما توفيقي إلّا بالله عليه توكلت واليه أنيب.

عبد الجبار القحطاني الرفاعي

قم المشرفة ٢٥ ـ ١٢ ـ ١٤١٨ ه

١٠

تمهيد

١ ـ تعريف علم الاصول

٢ ـ موضوع علم الاصول وفائدته

٣ ـ الحكم الشرعي وتقسيمه

٤ ـ تنويع البحوث الاصولية

٥ ـ حجية القطع وأحكامه

١١
١٢

تعريف علم الأصول

إنّ علماء علم الأصول والباحثين في العلوم القديمة عموما ، عادة ما يقدّمون لكتبهم جملة مبادئ تصورية للعلم ، منها تعريف العلم ، وموضوعه ، والغاية منه ، وربما رتبته في سلّم العلوم. وعلم الأصول لم يعرّف في الكتب القديمة ، وإنما كان يعرّف علم الفقه. ففي كتاب المعالم مثلا لا نجد تعريفا لعلم الأصول إلّا أنّ المؤلفات المتأخرة اهتمت بتعريف هذا العلم ، وقد سار الشهيد الصدر على منهجهم فبدأ بتعريف علم الأصول ، ثم تلاه بالحديث عن بعض المبادئ التصورية ، تمهيدا للدخول في مباحث العلم.

وفيما يلي بيان لهذا الموضوع في عدّة مطالب ، هي :

١ ـ تعريف علم الأصول :

التعريف المشهور لعلم الأصول هو ، «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي». وإذا لاحظنا هذا التعريف ، نجده يشتمل على ما يلي :

١ ـ القواعد : فهو علم بقواعد كلية وليس بمسائل جزئية ، أي انه العلم بضوابط ومعايير كلية.

٢ ـ الممهّدة : إذ أن هذه القواعد ينبغي أن تكون ممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي ، بمعنى مدونة ومسجلة ، باعتبار ان تمهيد القواعد هو أولا بحثها وتنقيحها ، والبحث والتنقيح يعني التدوين والتسجيل.

المقصود بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي :

إنّ الفقيه عند ما يريد ان يستنبط حكم مسألة من المسائل الشرعية ،

١٣

فالاستنباط عملية قياس ، والقياس كما هو معلوم يتألف من مقدمتين صغرى وكبرى ؛ لكي يحصل على نتيجة.

مثال : عند ما نريد أن نستنبط حكم ردّ التحية ، هل هو واجب أو ليس بواجب؟ نعود الى القرآن الكريم الآية ٨٦ في سورة النساء (وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها.) فنجد فيها فعل الأمر (حيّوا) وفعل الأمر يحتوي على صيغة ومادة ، والمادة فيه تدل على التحية ، والصيغة أي هيئة (افعل) ظاهرة في الوجوب ، فنؤلّف قياس الاستنباط هكذا : حيّوا ظاهرة في وجوب ردّ التحية ، هذه مقدمة في قياس الاستنباط ، كما نحتاج الى مقدمة أخرى وهي : كلّ ظهور حجّة ، فيكون القياس بهذه الصورة : حيّوا ظاهرة في وجوب رد التحية ، وكل ظهور حجّة. النتيجة : ظهور حيّوا في وجوب ردّ التحية حجّة. وعلى هذا الأساس يمكن أن نستنبط الحكم بوجوب ردّ التحية.

استعنّا في هذا القياس الاستنباطي بقاعدتين ، وكلاهما ندرسهما في علم الأصول :

الأولى : ظهور صيغة فعل الأمر في الوجوب.

الثانية : كلّ ظهور حجّة.

إذا علم الأصول : هو العلم بهذه القواعد التي تمهّد لاستنباط الحكم الشرعي.

٢ ـ مناقشة التعريف :

ناقش المصنف هذا التعريف بمناقشتين :

الأولى : عند ما نلاحظ كلمة (الممهدة) ، نستفيد منها تقييد القاعدة ، باعتبار أنها مسجلة ومدونة. وهذا يعني أنّ القاعدة إنما تكون أصولية ، عند ما تسجل وتدون في كتب الأصول. بينما تعريف أي علم من العلوم وظيفته الأساسية هي وضع

١٤

معيار وضابط ومقياس كلّي ، في ضوئه نستطيع أن نقول : إنّ هذه المسألة داخلة في العلم ، وتلك المسألة غير داخلة فيه.

وببيان آخر : أنّ دخول صيغة (افعل) الظاهرة في الوجوب في علم الأصول ، لا لانّ علماء الأصول كتبوها في مؤلفاتهم ، أو دوّنوها في كتبهم الأصولية ، وإنما لانّ هذه المسألة تمثل عنصرا مشتركا في عملية الاستنباط ، ولأنّ هذه المسألة في الواقع ونفس الأمر هي مسألة أصولية ، سواء كانت مدونة في كتب الأصول أم اكتشفها الأصوليون ودونوها فيما بعد في مؤلفاتهم.

إذا في التعريف ينبغي أن نفتش عن ضابط قبل مرحلة التدوين ، وفي ضوء هذا الضابط نقول : إنّ هذه المسألة أصولية ؛ لأنها ينطبق عليها هذا الضابط ، وتلك المسألة ليست أصولية ؛ لانها لا ينطبق عليها هذا الضابط.

فالإشكال الأساسي في هذا التعريف يعني أنّ المسألة تكتسب أصوليتها من تدوينها في مؤلفات الأصوليين ، بمعنى أنّ هذا التعريف يمثل ضابطا بعد مرحلة التدوين ، بينما نحن نريد ضابطا ومعيارا وميزانا قبل مرحلة التدوين ، وفي ضوئه نحدّد هل هذه المسألة أصولية فتدخل في علم الأصول أو ليست أصولية فلا تدخل في علم الأصول؟ نريد أن نفحص مثلا في مسألة الفاعل مرفوع ، فنعرف هل هي أصولية أم لا؟ فنقول : إنها ليست أصولية ؛ لأنها ليست عنصرا مشتركا في عملية الاستنباط.

بينما في ضوء البيان السابق لو دوّن أحد الأصوليين هذه المسألة في كتاب من كتبه ، فإنها تغدو أصولية.

وهذا الإشكال استطاع بعض التخلص منه بتعريف آخر ، فعرّف علم الأصول بأنه : «العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط»

١٥

كما أنه يمكن دفع الإشكال بأن نقرأها (الممهّدة) بالكسرة ، وهي التي تقع في طريق الاستنباط ، أي ان (التمهيد) اذا قدّر كمصدر مضاف الى فاعله (القواعد) فهو يساوق الوقوع في طريق الاستنباط والمدخلية في تشكيل أدلة الحكم وكونه يمهد لاستنباطه.

وبعبارة أخرى :. اذا افترضنا وقدرنا التعريف بهذا البيان : (تمهيد القواعد لاستنباط الحكم الشرعي) فهذا من باب اضافة المصدر المقدر (تمهيد) الى فاعله (القواعد).

الثانية : دخول مسائل غير أصولية في علم الأصول ، فيكون التعريف غير مانع ؛ لأنّ الفقيه عند ما يريد أن يستنبط حكم مسألة من المسائل لا يعتمد على عناصر مشتركة فقط ، وإنما يحتاج الى عناصر خاصة أيضا.

مثلا عند ما يريد الفقيه أن يستنبط الحكم في مسألة التيمم ، تقول الآية الكريمة : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) المائدة / ٦. هنا يحتاج الفقيه الى جملة مسائل في عملية الاستنباط ، منها أنه يحتاج الى ظهور صيغة افعل في الوجوب (تيمموا) ، ويحتاج الى حجية الظهور ، وأيضا أنه يحتاج الى تحديد المدلول اللغوي لكلمة (الصعيد). فهل تدل على مطلق وجه الأرض ، كالحجر والرخام والحصى والتراب ، أم انها تدل على التراب خاصة؟

ففي ضوء تحديد المدلول اللغوي لكلمة الصعيد يمكن أن يفتي الفقيه بأنه يمكن التيمم بمطلق وجه الارض أو التراب خاصة.

إذا تحديد المدلول اللغوي لهذه الكلمة له دخل في استنباط حكم التيمم ، بالرغم من أنه عنصر خاص وليس عنصرا مشتركا.

أو مثلا عند ما يريد الفقيه أن يستنبط حكم حرمة شيء من الأشياء ، فيرجع

١٦

الى رواية وقع في سندها زرارة مثلا ، فلا بد من أن يرجع الى كتب الرجال ، وينظر هل زرارة ثقة أم لا؟ حتى يصحح سندها ، وهكذا.

إذا تدخل في عملية الاستنباط عناصر خاصة غير العناصر المشتركة ، وهي تارة تكون رجالية ، وأخرى حديثية ، أو لغوية ، وغير ذلك ، فأصبح التعريف غير مانع ؛ لأن ما يقع في طريق الاستنباط ، لا يكون قواعد أصولية فقط وإنما هو أعم.

قد يقال : عند ما قيّدنا التعريف بالقاعدة ، فقلنا : علم الأصول هو العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط. فإنّ تحديد مدلول كلمة الصعيد ليس بقاعدة ، القاعدة هي : ما يكون أمرا عاما يدخل في أكثر من مورد ، بينما كلمة الصعيد لا تدخل إلّا في هذا المورد. لكن مع ذلك لا يندفع الإشكال ؛ لأنّه قد تدخل قواعد في عملية الاستنباط إلّا أنها ليست أصولية ، كما لو افترضنا أنّ قاعدة رجالية نستخدمها في الاستنباط تدخل في موارد أخرى غير مسألة التيمم ، فحينئذ تطّرد هذه المسألة في غير مورد ، فيمكن أن ينطبق عليها عنوان قاعدة ، فهذا الحلّ لا يكون مفيدا في هذا المقام.

إذا هذا الإشكال يبقى واردا على التعريف.

٣ ـ التعريف المختار :

التعريف الصحيح عند المصنف ، هو أنّ علم الأصول : هو العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

والعنصر المشترك : هو قاعدة عامة تدخل في استنباط أحكام متعددة ، وهذه القاعدة كظهور صيغة افعل في الوجوب ، فهي تدخل في استنباط الحكم بوجوب الصلاة (أَقِيمُوا الصَّلاةَ) ، وتدخل في استنباط وجوب التيمم (فَتَيَمَّمُوا) ، واستنباط وجوب الزكاة (آتُوا الزَّكاةَ) ، وتدخل في استنباط كلّ حكم يكون

١٧

الدليل الدال عليه ظاهرا في معناه في الوجوب.

إذا العنصر المشترك : هو القاعدة والمعيار العام الذي يدخل في استنباط أحكام متعددة في موارد متعددة وليس في مورد واحد ، وعلى هذا الأساس تخرج المسائل الخاصة التي تدخل في استنباط مورد أو موردين أو ثلاثة موارد أو أكثر مثل القواعد الرجالية أو اللغوية.

وبعبارة أخرى : نصنّف ما يدخل في عملية الاستنباط الى قسمين : قسم خاص وقسم عام ، وعلم الأصول : هو العلم الذي يمعنى بدراسة العناصر والقواعد العامة والمشتركة ، لا العناصر الخاصة.

١٨

موضوع علم الأصول

اعتاد الباحثون القدماء في بداية مؤلفاتهم دراسة موضوع العلم. وموضوع العلم هو الجامع بين موضوعات مسائله. فمثلا : علم النحو يتألف عادة من مئات المسائل ، لو لاحظناها لوجدناها عبارة عن قضايا فيها موضوع ومحمول ، كالفاعل مرفوع ، فهذه قاعدة فيها موضوع ومحمول ، والمفعول منصوب ، وفعل الأمر مبنيّ ، وهكذا. وكلّ علم آخر يتألف من مجموعة من المسائل والقواعد أو القضايا ، وهذه القضايا فيها موضوع ومحمول ، وموضوع العلم هو ما يكون مفهوما كليا لموضوعات مسائله ، أي تكون هذه الموضوعات مصاديق له ، أي ان القدماء كانوا يفترضون وجود قضية كلية ، يندرج تحت موضوعها كل موضوعات مسائل العلم ، وتحت محمولها جميع محمولات تلك المسائل. ومن هنا يعبّر عن ذلك المفهوم الشامل بموضوع العلم. فمثلا : الكلمة ، مفهوم كليّ جامع ، فعند ما نقول : الحال منصوب ، ينطبق على الحال انه كلمة ، وهكذا : الفاعل مرفوع ، فالفاعل كلمة أيضا ، إذا قضايا علم النحو موضوعاتها ، أي المفهوم الكلّي الذي ينطبق عليها جميعا ، وتكون بمجموعها مصاديق له هو الكلمة ؛ ولذلك يكون موضوع علم النحو الجامع بين موضوعات مسائله هو الكلمة ، والبحث فيه يدور حول أحوال الحرف الأخير للكلمة.

أما موضوع علم الأصول فقد قيل : إنه الأدلة الأربعة : الكتاب الكريم ، والسنة الشريفة ، والاجماع ، والعقل.

لكن هذا القول غير تام ؛ لانّ هذه الأدلة ليست عنوانا قابلا للانطباق على تمام موضوعات قضايا علم الأصول ، أي ليست عنوانا جامعا بين مسائل علم الأصول قاطبة. وإنما نجد الكثير من مسائله تخرج من هذا الموضوع الذي ذكره

١٩

المتقدمون ، فمثلا مسائل الاستلزامات العقلية ، مثل وجوب الشيء يستلزم وجوب مقدمته ، تمثل قواعد عامة تقع في طريق عملية الاستنباط ، لكن لا ينطبق على موضوعها أي واحد من الادلة الأربعة. فهي ليست كتابا ، ولا سنة ، ولا إجماعا ، ولا عقلا ؛ لانّ موضوعها الوجوب (حكم شرعي) ، والحكم الشرعي مدلول الكتاب والسنة. والإجماع وهكذا العقل يدلان على الحكم الشرعي أيضا ، والحكم مدلول لهما.

إذا بعض موضوعات مسائل علم الأصول ، لا ينطبق عليها أي دليل من الأدلة الأربعة ، كموضوع الاستلزامات العقلية الذي هو الحكم ، والحكم ليس دليلا من الأدلة الأربعة ؛ لانّ الأدلة هي الطريق للحكم والحكم مدلول لها.

مثال آخر : إنّ الأمارات الظنية ، كخبر الثقة أو الظهور من المسائل الأصولية ، يعني حجية خبر الثقة عنصر مشترك نبحثه في علم الأصول ، وهكذا حجية الظهور ، فالأمارات الظنية لا يكون موضوعها أحد الأدلة الأربعة ، وإنما يكون موضوعها خارجا عنها. فعند ما نبحث عن حجية خبر الثقة ، فاننا نبحث عن الظن المستفاد من خبر الثقة هل هو حجّة أو ليس بحجة؟

لكن قد يقول قائل : أليس خبر الثقة سنة ، وهو أحد الأدلة الأربعة؟

الجواب : خبر الثقة ليس هو السنة ، السنة هي قول المعصوم ، وفعله ، وتقريره ، وليس خبر زرارة الثقة هو السنة ، وإنما خبر الثقة كاشف ودليل على السنة الشريفة. والظهور عند ما نبحث عنه فاننا نبحث في أنّ الظن المستفاد من الظهور هل هو حجّة أو ليس بحجة؟ وبالتالي فالظهور لا ينطبق عليه عنوان أيّ من الأدلة الأربعة.

وبالنتيجة فإنّ البحث في حجية الأمارات الظنية ، لا ينطبق عليه عنوان الأدلة الأربعة.

٢٠