الدكتور عبد الجبّار الرفاعي
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٣
ISBN: 964-465-038-7
ISBN الدورة:
الصفحات: ٤٤٢



|
الأدلة المحرزة ٢ |
|
الدليل العقلي
١ ـ اثبات القضايا العقلية
٢ ـ حجية الدليل العقلي
تمهيد
تنقسم الأدلة المحرزة الى :
١ ـ الدليل الشرعي : وقد تقدم الكلام حوله.
٢ ـ الدليل العقلي : والمقصود به كل قضية يدركها العقل ، ويمكن ان يستنبط منها حكما شرعيا.
والبحث في الدليل العقلي يقع في مقامين :
الأول : في اثبات القضايا العقلية ، أو في صغرى الدليل العقلي ، أو مصاديق الدليل العقلي ، مثل قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور ، ووجوب الشيء يستلزم وجوب مقدمته ، وغيرها.
الثاني : في حجيّة الدليل العقلي ، أو في كبرى الدليل العقلي ، فهل الدليل العقلي حجّة أو ليس بحجة؟ ؛ اذا حكم العقل بان وجوب الشيء يستلزم وجوب مقدمته ، فهل حكم العقل هذا حجّة أو ليس بحجة؟ ؛ هذا بحث في الكبرى.
تعريف الدليل العقلي :
الدليل العقلي في قبال الدليل الشرعي ، الذي يمثل الواجبات والمحرمات الواردة في الآيات والروايات ، بينما في الدليل العقلي العقل هو الذي يدرك ويستكشف الحكم ، يدرك مثلا ان كل ما حكم به العقل حكم به الشرع ، وان كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشرع بحرمته. هذه القضية العقلية يمكن للعقل ان يستنبط منها حكما شرعيا ، وهو حرمة الكذب مثلا لانه قبيح عقلا ، حتى وان لم يكن هناك دليل صادر من الشارع على حرمة الكذب ؛ لأن العقل يحكم (ان
الكذب قبيح) هذه صغرى ، (وكل ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته) وهذه كبرى ، فيتشكل قياس استنباط وتكون النتيجة (ان الكذب حرام).
أنحاء البحث في الدليل العقلي :
البحث في الدليل العقلي تارة يكون بحثا صغرويا ، وأخرى يكون بحثا كبرويا ، والمقصود بالبحث الصغروي هو البحث في صحة هذه القضية وفي أصل ادراكها ، فيما يكون البحث الكبروي في حجيّة ادراك العقل. فحكم العقل ، بان كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته ، يكون صغرويا ، بينما البحث في حجيّة الادراك العقلي ، اي ان الادراك العقلي إذا كان قطعيا يكون حجّة ، يكون كبرويا.
اقسام القضية العقلية :
القضايا العقلية تنقسم الى قسمين :
١ ـ قضايا تشكل عناصر مشتركة في عملية الاستنباط ، كقضية الملازمة بين حسن وقبح الشيء عقلا وبين وجوبه وحرمته شرعا ، فهذه القضية تعتبر عنصرا مشتركا في عملية الاستنباط ؛ لأنه يمكن تطبيقها في جميع الابواب والموارد التي يتناولها الاستنباط.
٢ ـ القضايا العقلية التي ترتبط بحكم شرعي معين ، كما لو حكم العقل بحرمة المخدرات ؛ قياسا على حرمة الخمر ، فكما ان الخمر يذهب الشعور كذلك المخدر ، ولذلك فقد يقال بأن المخدر محرم ، او يحكم العقل بحرمة الكذب لانه قبيح ، او يحكم العقل بوجوب الصدق ؛ لأنه حسن ، فهذه القضايا تكون خاصة ، اي
أنها ترتبط باحكام شرعية محددة ، وليست عناصر مشتركة وعامة.
والبحث الاصولي يدور حول العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ، اثباتا او نفيا ، فالبحث الصغروي هنا ليس اصوليا ولكن البحث الكبروي يكون أصوليا.
انواع الادراك العقلي :
الادراك العقلي على نوعين : فتارة يكون قطعيا ، وأخرى يكون ظنيا ، أي ان العقل عند ما يحكم بحكم معين ، ويدرك قضية معينة ، فمرة يكون ادراكه بدرجة القطع ، وأخرى لا يبلغ القطع. فان كان الادراك قطعيا ، فهو حجّة ، بسبب حجيّة القطع ، أي كلما اورث الدليل القطع ، سواء كان شرعيا أو عقليا ، فانه يكون حجّة ، لحجية القطع. واما إذا كان الدليل العقلي ظنيا ، كالقياس ، فانه لا يكون حجّة ، كما سوف يأتي عند الكلام حول حجيّة الدليل العقلي.
١ ـ اثبات القضايا العقلية
تقسيمات للقضايا العقلية
القضايا العقلية التي يمكن ان تكون ادلة على الحكم الشرعي ، يمكن تقسيمها عدّة تقسيمات :
الأول : ينقسم الدليل العقلي الى :
١ ـ الدليل العقلي المستقل.
٢ ـ الدليل العقلي غير المستقل.
المقصود بالاستقلال وعدم الاستقلال ، هو انه تارة تكون القضية في صغراها وفي كبراها قضية عقلية ، فعند الاستنباط يتشكل قياس يتألف من صغرى وكبرى ، فان كانت الصغرى عقلية ، والكبرى عقلية ايضا ، هنا يستقل العقل عن الشرع في استنباط الحكم الشرعي.
وأخرى تكون احدى المقدمتين عقلية ، بينما تكون الاخرى شرعية ، فتكون النتيجة الحاصلة من قياس الاستنباط قد اشترك في توليدها العقل والشرع.
ولذلك نسمي النوع الاول ، الذي تكون فيه الصغرى والكبرى عقليتين ، بالمستقلات العقلية أو الدليل العقلي المستقل ، أي مستقل عن الشرع ، فيما نسمي النوع الثاني الذي تكون فيه إحدى المقدمتين عقلية والاخرى شرعية ، بالدليل العقلي غير المستقل.
مثال المستقلات العقلية ، كل ما حكم العقل بحسنه حكم الشرع بوجوبه ،
فمثلا الصدق يحكم العقل بحسنه ، إذا الصدق يحكم الشارع بوجوبه. او تقول : كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته ، والكذب يحكم العقل بقبحه ، فتكون النتيجة ان الكذب يحكم الشارع بحرمته.
ففي هذا القياس لدينا صغرى (حكم العقل بقبح الكذب) وكبرى (كلما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته) والنتيجة (حكم الشارع بحرمة الكذب) ، فاذا لاحظنا الصغرى ، وجدناها حكما عقليا ، ووجدنا الكبرى ايضا حكما عقليا.
اما مثال المستقلات غير العقلية ، كما لو الفنا قياس استنباط ، من (ان وجوب شيء يستلزم وجوب مقدمته) ونطبق هذه القاعدة على واجب ما ك (الصلاة واجبة) ، فتكون النتيجة (ان مقدمة الصلاة واجبة) ، اي ان الوضوء الذي هو مقدمة للصلاة واجب.
وبعبارة أخرى : ألّفنا قياس استنباط فيه صغرى (وجوب الصلاة) ، وكبرى (وجوب الشيء يستلزم وجوب مقدمته) ، والصغرى حكم شرعي ، بينما الكبرى حكم عقلي ، ولذلك نسمي هذا الدليل بالدليل العقلي غير المستقل.
الثاني : تقسيم القضية العقلية الى :
١ ـ القضية العقلية التحليلية : والمراد بالتحليلية القضية التفسيرية ، أي ان العقل يتولى تفسير حالة أو ظاهرة معينة ، كما في تفسير حقيقة الوجوب التخييري ، كحقيقة الكفارة المخيرة للافطار في شهر رمضان عمدا ، والتي هي وجوب احد الخصال الثلاثة : (الصوم أو الاطعام أو العتق) ، فهل الوجوب متعلق بالجامع ، أو بالافراد على نحو البدل ، أو ان الوجوب يسري من الجامع الى الافراد؟ حيث توجد نظريات متعددة في تفسير حقيقة هذا الوجوب.
إذا القضية العقلية التحليلية هي التي يراد منها تفسير ظاهرة معينة.
٢ ـ القضية العقلية التركيبية : وهي التي يدور البحث فيها حول الاستحالة والامكان. فمثلا ، هل يمكن التكليف بغير المقدور؟ كأن يكلف الانسان بالطيران في السماء بدون طائرة مثلا ، فهذا تكليف بغير المقدور ، فهل هذا ممكن أو مستحيل؟ العقل عند ما يحكم بالاستحالة ، هنا يكون البحث في قضية عقلية تركيبية ، وهكذا عند ما يحكم العقل بضرورة الشيء ، كما في وجوب الشيء يستلزم وجوب مقدمته ، فان البحث فيها يكون في قضية عقلية تركيبية.
الثالث : تقسيم القضايا العقلية التركيبية المستقلة الى :
١ ـ سالبة.
٢ ـ موجبة.
والمقصود بذلك : أن حكم العقل تارة يكون منفيا ، وأخرى يكون مثبتا ، فتارة يكون الحكم من قبيل استحالة التكليف بغير المقدور ، فهو دليل عقلي مستقل تركيبي سالب ؛ لأنه ينفي الحكم الشرعي (لا يجب الطيران في السماء) (لا يجب الصوم على غير القادر).
واما المقصود بالقضية العقلية التركيبية الموجبة ، فهي التي يثبت فيها العقل حكما شرعيا ، مثلا ، كلما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته ، فهنا يثبت الحرمة لما حكم العقل بقبحه ، أي حرمة الكذب والخيانة والظلم.
وأخيرا ، فان القضايا العقلية التي سنذكرها في صغريات الدليل العقلي مترابطة ومتفاعلة فيما بينها ، أي أنها تمثل منظومة واحدة ، ولذلك كثيرا ما نستعين بنتيجة معينة قد انتهينا اليها في بحث آخر متقدم.
قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور
يقصد باستحالة التكليف بغير المقدور أحد معنيين :
١ ـ استحالة ان يدين المولى المكلف بفعل أو ترك لا يكون المكلف قادرا عليه ، أي ان المولى لا يمكن ان يدين المكلف على عدم ترك فعل ، كحركة الدم في الاوردة والشرايين في الجسم مثلا ؛ لأن هذا الفعل لا يكون المكلف قادرا على تركه ، كما لا يمكن ان يدين المولى المكلف على ترك أمر يكون المكلف غير قادر على فعله ، كالطيران في السماء بنفسه ، من دون وسيلة للطيران.
وهذا من الامور الواضحة ، ذلك ان العقل يحكم في مثل هذه الموارد بقبح الادانة من قبل المولى ؛ لأن حكم العقل بحق الطاعة لا يشمل في دائرته هذا المورد ، أي ان حدود حق الطاعة ودائرته ما يقع في اطار قدرة المكلف ، وأما ما يكون خارجا عن قدرة المكلف فلا يكون مشمولا لحق الطاعة.
هذا هو المعنى الاول لاستحالة التكليف بغير المقدور ، أي استحالة الادانة على فعل أو ترك لا يكون المكلف قادرا عليه.
٢ ـ استحالة صدور تشريع وتكليف من المولى غير مقدور للمكلف ، أو قل : استحالة صدور تشريع أو جعل من المولى في عالم الجعل بالنسبة الى غير القادر ، ولو لم تترتب ادانة على مثل هذا التشريع.
إذا المعنى الثاني ان التشريع والتكليف مشروط بالقدرة ، بينما المعنى الاول يعني ان الادانة مشروطة بالقدرة ، فحيث لا قدرة لا ادانة ولا عقاب ، وبالتالي حيث لا قدرة لا تكليف ولا تشريع.
اشتراط القدرة في مبادئ الحكم :
لكي يتضح هذا الامر ينبغي ان نستعير مطلب مبادئ الحكم ، الذي تحدثنا عنه فيما سبق في بداية الكتاب. حيث قلنا : إنه في مقام الثبوت للحكم يشتمل الحكم على ثلاثة عناصر :
الأول : الملاك.
الثاني : الارادة.
الثالث : الاعتبار.
والمقصود بالملاك هو ما يشتمل عليه الفعل من مصلحة تقتضي الامر به ، أو مفسدة تقتضي المنع عنه. اما الارادة فهي ما ينبثق من هذه المصلحة من محبوبية وشوق ، أو ما ينبثق من المفسدة من مبغوضية وكراهية. ثم بعد ذلك يصوغ المولى الحكم ويعتبره على المكلف ، وهذه هي مرحلة الاعتبار.
اشتراط القدرة في الملاك والارادة :
هل يشترط ان تكون القدرة قيدا في الملاك والارادة؟ وبعبارة أخرى : هل يشترط ان يكون الفعل المتصف بالمصلحة في دائرة قدرة المكلف؟
الجواب : ان القدرة ليست شرطا في الملاك ؛ لأنه قد تتعلق المصلحة بشيء ولا يكون الانسان قادرا عليه ، فقد تتعلق مصلحتك بالوصول الى القمر أو الى كوكب فيه كنوز ، لتأتي بها الى الارض ، ولكن هذه المصلحة انت عاجز عن تحقيقها. كما ان الارادة لا تقيد بالقدرة ؛ لأنه قد تتعلق ارادة ومحبوبية شخص بشيء معين ، بينما لا يكون قادرا على الاتيان بذلك الشيء.
وعلى هذا يمكن تعلق الارادة بامر غير مقدور ، كما ان بالامكان تعلق الملاك بأمر غير مقدور.
من هنا يتضح بانه يمكن تعلق ارادة المولى بأمر غير مقدور للمكلف ، كما ان بالامكان ان تتعلق المصلحة بأمر غير مقدور للمكلف. بل يمكن افتراض تعلق الارادة بغير المقدور أو بالمستحيل ذاتا ، كاجتماع النقيضين ، فضلا عن المستحيل بالعرض ، وهو غير المقدور لأمر آخر ، كالوصول الى القمر أو الى كوكب آخر ، لا يستطيع ان يصل اليه هذا الشخص ، وذلك لعدم تهيؤ الوسائل لديه ، ليصنع مركبة فضائية خاصة توصله الى ذلك الكوكب ، فهو لا يستطيع بالعرض.
ويتلخص من ذلك : ان القدرة ليست شرطا في الملاك والارادة ، بل يمكن تعلق الارادة والملاك بفعل لا يكون مقدورا للمكلف.
اشتراط القدرة في الاعتبار :
يمكن ملاحظة الاعتبار بلحاظين :
١ ـ نلاحظ الاعتبار بما هو كاشف عن الملاك والارادة ، اي من حيث هو كاشف عن المبادئ ، فحينئذ لا مانع من وجود اعتبار بالنسبة للعاجز ، حيث يكون الاعتبار كاشفا عن وجود ملاك ومصلحة في الفعل ، وعن وجود ارادة ومحبوبية شديدة. فاذا لوحظ الاعتبار بما هو كاشف عن الملاك والارادة ، فلا مانع من ثبوت الاعتبار بالنسبة للانسان العاجز وبهذا لا تكون القدرة شرطا في الاعتبار.
٢ ـ نلاحظ الاعتبار بما هو ناشئ من داعي البعث والتحريك ، فاذا لاحظنا وجوب فعل معين ، نقول : ان هذا الوجوب ناشئ بداعي بعث المكلف وتحريكه نحو الفعل ، كالصلاة الواجبة مثلا. وفي مثل هذه الحالة تكون القدرة شرطا في
الاعتبار ؛ لأن الانسان العاجز (غير القادر) كالمغمى عليه من طلوع الفجر حتى طلوع الشمس ، لا يستطيع ان يتحرك ، ولا يستطيع ان يأتي بالصلاة ، ولذلك من المحال توجيه الخطاب اليه ؛ لأن الهدف من الخطاب تحريك المكلف ، فاذا كان المكلف عاجزا عن الحركة ، فلا يمكن توجيه الخطاب اليه بهدف تحريكه.
تلخيص لما سبق :
يتلخص مما سبق : ان القدرة يمكن ان تكون شرطا في الملاك والارادة ، اما في الاعتبار ، فهو أمر سهل المئونة ، فان لاحظناه بما هو كاشف عن الملاك والارادة ، يمكن توجيه التكليف والخطاب الى العاجز ، لا لتحريكه بل للكشف عن وجود الملاك والارادة ، أي للكشف عن وجود مبادئ للحكم بالنسبة الى هذا الانسان العاجز ، وبذلك لا يكون الاعتبار لغوا في مثل هذا المورد ؛ لأنه يكون كاشفا عن الملاك والارادة.
واذا لاحظنا الاعتبار من حيث انه ناشئ من داعي البعث والتحريك ، ففي مثل هذه الحالة لا يمكن ان يثبت الاعتبار بالنسبة للانسان العاجز ، لان العاجز غير قادر على الحركة ؛ لذلك من المحال ان يوجه اليه المولى خطابا بداعي التحريك والبعث.
إن الاعتبار الذي يكشف عنه الخطاب الشرعي انما هو بداعي البعث والتحريك مثل (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) البقرة / ١٨٣ و (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) آل عمران / ٩٧ وغير ذلك ، فهذا الخطاب الشرعي الذي يكشف عن اعتبار معين ، هو بداعي البعث والتحريك.
وبغية توضيح هذه المسألة يمكن القول : ان الظهور التصديقي يقتضي أن
يكون الخطاب دائما بداعي البعث والتحريك ، فقد ذكرنا فيما سبق أن للكلام ظهورا تصوريا ، وظهورا تصديقيا ، والمدلول التصديقي او الظهور التصديقي يكشف عن قصد اخطار المعنى بالنسبة للمدلول التصديقي الاول ، وقصد المراد الجدي (ارادة الاخبار او السؤال او الأمر او غير ذلك) بالنسبة للمدلول التصديقي الثاني.
والكلام هنا حول المدلول التصديقي الثاني ، فعند ما يأتينا خطاب شرعي «اقم الصلاة» ، «آتوا الزكاة» ، فالمدلول التصديقي له يكشف عن المراد الجدي للمتكلم ، وأنه بداعي البعث والتحريك ، لا أنه بداعي الكشف عن وجود المبادئ (الملاك والارادة) لهذا الحكم.
فاذا كان الاعتبار الذي يكشف عنه الظهور التصديقي دائما بداعي البعث والتحريك ، فلا بد من أن يكون الاعتبار مختصا بحالة القادر ، اما الانسان العاجز ، كالمغمى عليه ، فلا يوجد خطاب بحقه ، وليس مكلفا بالصلاة ، وان كان هذا التكليف ليس بداعي التحريك ؛ لأن التكليف دائما لا يكون إلّا بداعي التحريك ، كما ينبئ عن ذلك الظهور التصديقي ، فكلما وجدنا تكليفا فان الهدف منه هو تحريك المكلف ، والمكلف العاجز عن التحرك لا يعقل ان يوجه اليه بعث وتحريك.
وبذلك يكون الاعتبار مشروطا بالقدرة ، وفي حالة العجز يسقط الاعتبار والتكليف عن العاجز.
التكليف مشروط بالقدرة على متعلقه :
ان كل تكليف مشروط بالقدرة على متعلقه ، فالتكليف بالصلاة مشروط بالقدرة على الصلاة ، بلا فرق بين التكاليف الالزامية والترخيصية ؛ لأن التكليف تارة يكون الزاميا ، كالوجوب والحرمة ، وأخرى يكون ترخيصيا ، كالاستحباب والكراهة ، ففي حقل التكليف الطلبي (الوجوب والاستحباب) تشترط القدرة على الفعل ، كذلك في حقل التكليف الامساكي والزجري (الحرمة والكراهة) تشترط القدرة على الترك.
فان غير القادر على الفعل من المحال تكليفه ، باعتبار دائرة حق الطاعة اخص من ذلك ، فهي لا تشمل حالات عدم القدرة على الامتثال.
كذلك الحال في التكاليف الزجرية ، فلا يقال للمكلف مثلا : لا تطر في السماء ؛ لأنه أساسا غير قادر على الطيران في السماء ، ولا يقال له : اوقف حركة الدم في اوعية جسمك ؛ لأن مثل هذا الترك غير مقدور للمكلف ، ولا بد من ان يكون متعلق الزجر مقدورا كمتعلق الطلب ، وإلّا لو لم يكن مقدورا للمكلف فلا يكون مشمولا بدائرة حق الطاعة.
القدرة ليست شرطا في الملاك :
إذا تبين ان القدرة شرط ضروري في التكليف ، ولكنها ليست كذلك في الملاك والارادة ، إذ قد يكون المكلف عاجزا ومع ذلك يوجد ملاك بالنسبة اليه ، ولا يعني ذلك ان القدرة ليست شرطا دائما ، وانما هذا المكلف العاجز يمكن ان يوجد ملاك بالنسبة اليه ويمكن ان لا يوجد.
وبكلمة أخرى : ان الانسان المغمى عليه ، يمكن ان يوجد ملاك للصلاة بالنسبة اليه ، ويمكن ان لا يوجد ، اي ان مبادئ الحكم يمكن ان تكون فعلية وثابتة في حالة القدرة على الفعل ، وفي حالة العجز عن الفعل ، ويمكن ان تكون مختصة بحالة القدرة على الفعل ، فلا تكون موجودة في حالة العجز عن الفعل.
القدرة الشرعية والقدرة العقلية :
عند ما ينتفي التكليف بالنسبة للعاجز ، لعدم وجود الملاك ، ويكون الملاك مختصا بحالة القدرة ، في مثل هذه الحالة تسمى القدرة بالقدرة الشرعية.
وبكلمة بديلة : في صورة كون ملاك الحكم ومبادئه مختصة بالقادر على الفعل ، اما الانسان العاجز ، كالمغمى عليه غير القادر على الصلاة ، فلا يوجد ملاك بالنسبة اليه ، ففي مثل هذه الحالة تسمى القدرة بالشرعية.
اما إذا كانت مبادئ الحكم ثابتة وفعلية في حالة العجز والقدرة ، اي ان العاجز عن الصلاة يوجد ملاك للصلاة بالنسبة اليه ، كما ان الانسان القادر يوجد ملاك للصلاة بالنسبة اليه ، فالقدرة في هذه الحالة نعبر عنها بالقدرة العقلية.
بمعنى ان المقصود بالقدرة العقلية ان تكون مبادئ الحكم موجودة وفعلية بالنسبة للقادر والعاجز ، بينما في القدرة الشرعية تكون مبادئ الحكم مختصة بالقادر على الحكم فقط ، اما العاجز فلا يوجد ملاك للحكم بالنسبة اليه.
ولا يكون اختصاص الملاك بالقادر في القدرة الشرعية ناشئا من مانع عقلي عن شموله للعاجز ، بل لأن حدود الملاك في نفسه فرضت اختصاصه بالقادر ، وإلا فقد مرّ أن العقل لا يحكم باستحالة وجود ملاك في مورد العجز.
وفي حالة القدرة العقلية لا يكون اختصاص الحكم الشرعي بالقادر لأجل
اختصاص الملاك والمبادئ في نفسها بالقادر ، بل لوجود مانع عقلي من شمول الحكم للعاجز.
لا فرق في استحالة التكليف بغير المقدور بين كونه مطلقا أو مقيدا :
لا يوجد فرق في استحالة التكليف بغير المقدور ، بين ما إذا كان التكليف مطلقا ، أو كان مشروطا بأمر مقدور ، فكلاهما محال ؛ لأن العقل كما يحكم بقبح التكليف بالنسبة للاول (المطلق) كذلك يحكم بقبح التكليف بالنسبة للثاني (المقيد) ، ولو كان معلقا على أمر مقدور.
ومثال التكليف المطلق (طر الى السماء) فهو غير مقدور مطلقا ، ومثال التكليف المقيد ، كما لو قال : (ان صعدت الى السطح طر الى السماء) فهنا التكليف يكون معلقا على أمر مقدور للمكلف (الصعود الى السطح) ، وفي كلتا الحالتين يحكم العقل باستحالة التكليف بغير المقدور ، أي سواء كان التكليف مطلقا أو مقيّدا بأمر مقدور ، فهو مستحيل في كليهما.
الثمرة في استحالة التكليف بغير المقدور :
تتفرع الثمرة في بحث استحالة التكليف بغير المقدور الى :
١ ـ ثمرة للمعنى الاول لهذه القاعدة ، والذي هو استحالة العقاب والادانة على تكليف غير مقدور ، فبالنسبة لهذا المعنى تكون الثمرة واضحة ؛ لأنه إذا كانت القدرة شرطا في الادانة ، فعند عدم القدرة لا ادانة ، بمعنى ان الانسان العاجز (المغمى عليه) لا يعاقب.
٢ ـ ثمرة للمعنى الثاني ، فبالنسبة لاشتراط القدرة في الجعل والاعتبار ، ربما