نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ١

العلامة الحلّي

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ١

المؤلف:

العلامة الحلّي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-319-321-8
ISBN الدورة:
978-964-319-320-1

الصفحات: ٤٣٣

١

٢

٣

٤

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمین والصلاة والسلام على أشرف الأنبیاء والمرسلین محمد المصطفى وآله أئمة الدین والهدى .

إن محاولة استکشاف وضبط مال اللبنة الأولى لکیان ما لا ریب أنها إغارة استقرائیة ، فرد معرفي منبعث من تلک الطبیعة ، طبیعة المعرفة ، ذلک الأساس الذی اختلفت فيه الرؤى باختلاف الایدیولوجیات التی تعج بها البشریة ، فتباینت المقاصد والمطامح والسبل والآلیات ، وتعارضت الخطابات والقراءات، حتى غدا مجال نظریة المعرفة وتکوّن حیاة الإنسان العقلیة بکل ما تزخر به من قیم وأفکار ومفاهیم الشغل الشاغل لأرباب الفلسفة والثقافة والمعرفة، وأضحت سلسلة التساؤلات المعرفية تنبض بحیویة الاستدلال العلمی الاستقرائی ما دامت هناک حیاة تسری وأنفاس تتصاعد.

ومما استفيد لنظریة المعرفة عندنا : إن الذی یجعل المعرفة متکاملة وعلى درجة کبیرة من الیقین من جهة، ویجعل کل عنصر من مصادر المعرفة حاضراً في جمیع مجالات الفعل الإنسانی مما یجعله متحرّراً من جمیع التناقضات المختلفة في حیاته العلمیة من جهة ثانیة ، هو إبداع نظریة

٥

معرفية توفر العناصر الثلاثة التالیة :

١ ـ إعطاء نظریة المعرفة وظیفتها الحقیقیة والتی تکمن في انتاج معرفة تخدم حرکة التکامل الإنسانی في جمیع میادین الحضارة ، وبالتالی إخراجها من المجال النظری البحث إلى حیث مجالات الفـعـل الـیـومـی الإجرائی .

٢ ـ إعطاء الوحی وظیفته الطبیعیة والتی تکمن في ترشید وتأطیر عملیة التطور والتکامل الإنسانی معرفةً وسیاسة وعقیدةً ومدنیة ... وعدم الاقتصار على الطابع الدینی المحدود المقرّر له من طرف أرباب الفکر الإنسانی العالمی . وبذلک یصبح للوحی المقدس دور رئیسی في تسییر حیاة الإنسان وإخضاع کل ما هو نسبی ومتغیّر وغیر مقدّس لقوانینه الفاعلة .

٣ ـ إعطاء العقل البشری وظیفته الحقیقیة التی خلق من أجلها، وهي أن یکون الواسطة الضروریة بین المطلق والنسبی، والمقدّس وغیر المقدس ، بین المتعالی والتأریخی بین الوحی والممارسة العملیة الیومیة للإنسان ، وبکلمة : بین الحقیقة الربانیة المطلقة والثابتة والحقیقة الإنسانیة والنسبیة .

وهذا ما یقودنا إلى : أن تحقق هذه الأهداف یستدعی لزاماً إبداع نظریة معرفية توفر العناصر الثلاثة في بنیة مصادرها ثم نقوم بعد ذلک بعملیة الترکیب للخروج في النهایة بالمنتوج المعرفي متجرّداً عن کل عنصر من عناصر النسق ، فلا هو إلهی محض ولا عقلی محض ولا تجریبی ، وإنما خلاصة الجمیع .

مما یؤمن لنا فرز وانتاج معرفة إنسانیة راقیة وملزمة ... بحیث تنتفي معها وتندثر ظاهرة الجهل وذرائع عدم الوصول إلى المعرفة ، ومعها یتم

٦

القضاء على ظاهرة الکفر والشرک والإلحاد .

إن نظریة نشأة المعرفة لا ینبغی بالضرورة أن نحصل لها على مسمى أو عنوان خاص في المکتوبات عموماً وخصوص مدوناتنا نحن المسلمین ، فقد نجدها مبثوثةً مرّة في الأبحاث الفلسفية وأخرى في الکلامیة وثالثة في الأصولیة وهکذا .

ونحن إن استحضرنا في تقدیمنا الموجز هذا ثلاثة تساؤلات :

١ ـ من أسس لعلم الأصول؟

٢ ـ هل اکتسب علم الأصول الشیعی شخصیته ومعالمه مـن عـلم الأصول السنی ؟

٣ ـ إن مرحلة تکامل علم الأصول الشیعی التی نحیاها وتعد امتداداً لمدرسة الشیخ الأنصاری قدس‌سره :

هل هی حصیلة وثمرة تلک المواجهة المصیریة بین الفکر الأخباری والفکر الأصولی ، الممتدة لقرنین من الزمان ، والتی حسمها للثانی بکل تألق وجدارة ـ الوحید البهبهانی قدس‌سره ( م ١٢٠٥هـ) ، المواجهة التی ترشّحت عنها تلک العقول الفولاذیة أمثال : المحقق القمی قدس‌سره (م ١٢٣١ هـ) صاحب القوانین، شریف العلماء (م ١٢٤٥ هـ )، النراقی (م ١٢٤٥ هـ)، الأخوین محمد حسین ومحمد تقی الاصفهانیین (م ١٢٦١ه، ١٢٤٨ هـ) صاحبی الفصول وهدایة المسترشدین ، القزوینی (م ١٢٦٥ هـ) صاحب الضوابط ؟

أم هی حصیلة ذلک العطاء المعرفي والسلسلة المترابطة والعقد المتناسق المشادة بأنوار علم أئمة الحق عليهم‌السلام ، المستمرة بمراحلها وأدوارها ومدارسها على اختلاف عناوینها وتصنیفاتها ورتبها حتى عصرنا

٧

الحاضر ؟

فلیس إلا من حیث کونها منضویة تحت لواء فرد من أفراد تلک الطبیعة المشار إلیها آنفاً طبیعة المعرفة ونظریتها ومبحث نشأة حیاة الإنسان العقلیة ، بأدنى تناغم وحمل موضوعی ممکن .

ولا نروم الإجابة عن هذه التساؤلات بالنمط الکلاسیکی المعروف ، بل نسلک بالبحث سلوک النسق الموضوعی الموحد ، کی نحصل على إجابة منطقیة مترشحة عن معرفة إنسانیة راقیة ملزمة .

یقول الفخر الرازی : اعلم أنّ نسبة الشافعی إلى علم الأصول کنسبة أرسطو إلى علم المنطق ونسبة الخلیل بن أحمد إلى علم العروض (١).

ویقول الزرکشی : الشافعی ـ رضی الله عنه ـ أول من صنف في أصول الفقه (٢).

ویقول الشیخ محمد أبو زهرة نشأ علم أصول الفقه مع علم الفقه ، وإن کان علم الفقه قد دوّن قبله ؛ لأنه حیث یکون الفقه یکون حتماً . منهاج للاستنباط ، وحیث کان المنهاج یکون حتماً لا محالة أصول الفقه (٣) .

ویعلق الدکتور محمد الزحیلی على قول أبی زهرة قائلاً: ولکن هذه المبادىء وتلک القواعد کانت متناثرة في الکتب، وتختلف من عالم إلى آخر ، ومن مدرسة إلى أخرى، ولا ینتظمها سلک ، ولا یحوطها ،سور، ولا تشکل علماً مستقلاً ، إلى أن جاء الإمام الشافعی فجمع شتاتها ودوّن

____________________

(١) مناقب الشافعی: ٥٦٠.

(٢) البحر المحیط في أصول الفقه ١: ١٠.

(٣) أصول الفقه (أبو زهرة) : ١٠ .

٨

قواعدها ، وصنّف أول کتاب في علم أصول الفقه ، وهو الرسالة .

ثم یضیف : فأصل الأصول ـ أی الشافعی وقعد القواعد ؛ لیعصم أهل الاجتهاد والخلاف والمناظرة من الخطأ والانحراف في الاستنباط ، ویضع بین أیدیهم الموازین لبیان الخطأ والصواب ، فکان بحق أول من وضع علم الأصول (١) .

لکن السید حسن الصدر یرتنی خلاف ذلک تماماً حین یقول :

فاعلم أن أول من أسس أصول الفقه وفتح بابه وفتق مسائله الإمام أبو جعفر الباقر ثم بعده ابنه الإمام أبو عبدالله الصادق عليه‌السلام ، وقد أملیا على أصحابهما قواعده ، وجمعوا من ذلک مسائل رتبها المتأخرون على ترتیب المصنفين فيه بروایات مسندة إلیهما ، متصلة الاسناد ، وکتب مسائل الفقه المرویة عنهما موجودة بأیدینا إلى هذا الوقت بحمد الله :

منها : کتاب أصول آل الرسول ، مرتب على ترتیب مباحث أصول الفقه الدائر بین المتأخرین، جمعه السید الشریف الموسوی هاشم بن زین العابدین الخوانساری الاصفهانی رضی الله عنه نحو عشرون ألف بیت کتابة .

ومنها : الأصول الأصلیة للسید عبد الله العلامة المحدث الشبری عبدالله بن محمد الرضا الحسینی الغروی ، وهذا الکتاب من أحسن ما روی فيه أصول الفقه ، یبلغ خمسة عشر ألف بیت .

ومنها : الفصول المهمة في أصول الأئمة ، للشیخ المحدث محمد بن

____________________

(١) علم أصول الفقه : ٢٩ ، ٣٣

٩

الحسن بن علی الحرّ المشغری صاحب کتاب وسائل الشیعة .

وحینئذ فقول جلال السیوطی في کتاب الأوائل [ص ١١٧]: أول من صنف في أصول الفقه الشافعی بالإجماع في غیر محله إن أراد التأسیس والابتکار، وإن أراد المعنى المتعارف من التصنیف فقد تقدّم على الإمام الشافعی في التألیف فيه هشام بن الحکم المتکلّم المعروف من أصحاب أبی عبدالله الصادق عليه‌السلام .

ویضیف السید حسن الصدر قدس‌سره: فاعلم أن أول من صنف فيه ـ علم أصول الفقه ـ هشام بن الحکم، شیخ المتکلمین في الأصولیین الإمامیة ، صنف کتاب الألفاظ ومباحثها ، وهو أهم مباحث هذا العلم .

ثم یونس بن عبد الرحمن مولى آل یقطین ، صنف کتاب اختلاف الحدیث ومسائله ، وهو مبحث تعارض الحدیثین ، ومسائل التعادل والتراجیح في الحدیثین المتعارضین ، رواه عن الإمام موسى بن جعفر الکاظم عليهما‌السلام ، ذکر هما أبو العباس النجاشی في کتاب الرجال ، والإمام الشافعی متأخر عنهما .

ویشیر قدس‌سره إلى مشاهیر أئمة علم أصول الفقه : کـ أبی سهل النوبختی ، الحسن بن موسى النوبختی ، ابن الجنید ، أبی منصور الصرّام النیشابوری ، ابن داود ، الشیخ المفيد ، السید المرتضى ، الشیخ أبی جعفر الطوسی، الشیخ سدید الدین الحمصی الرازی العلّامة الحلّی، المحقق الحلّی (١) .

إلّا أنّ الدکتور شعبان محمد اسماعیل لا یوافق السید حسن الصدر

____________________

(١) تأسیس الشیعة لعلوم الإسلام : ٣١٠ ـ ٣١٤.

١٠

رأیه ، فيقول :

ادعت الشیعة الإمامیة: أن أول من دون علم الأصول هو الإمام محمد الباقر بن علی زین العابدین المتوفى سنة ١١٤ هـ وجاء بعده ابنه الإمام أبو عبدالله جعفر الصادق المتوفّى ١٤٨ هـ .

قال آیة الله السید حسن الصدر: اعلم أن أول من أسس أصول الفقه وفتح بابه وفتق مسائله الإمام محمد الباقر ، ثم من بعده الإمام أبو جعفر ، وقد أملیا على أصحابهما قواعده ، وجمعوا في ذلک مسائل رتبها المتأخرون على ترتیب المصنفين فيه بروایات مسندة إلیهما متصلة الاسناد الشیعة وفنون الإسلام ص ٥٦ ، عقیدة أهل الشیعة في الإمام الصادق ص ٢٩٣ ـ ٢٩٥ ، الشافعی [ للشیخ أبی زهرة ص ١٧٩ ] .

کما روی أن أول من کتب فيه الإمامان أبو یوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبی حنیفة رضی الله تعالى عنهم . [ الفهرست لابن الندیم ص في ترجمة الإمامین المذکورین ] .

وهذا لا یعارض ما قلناه من أن الإمام والشافعی رضی الله تعالى عنه ـ هو أول من دوّن علم الأصول، ففرّق بین الکتابة المتناثرة والقواعد التی ترد في مسألة فقهیة عارضة ، وبین علم متکامل ومصنف مستقل ، فالقواعد التی یشیر إلیها السید حسن الصدر في العبارة المتقدمة إنما هی من قبیل مناهج الاستنباط وطرق الاستدلال کما قلنا سابقاً ، وهذه کانت موجودة حتى في عصر الصحابة رضی الله تعالى عنهم أجمعین .

قال الإسنوی : وکان إمامنا الشافعی رضی الله عنه ـ هو المبتکر لهذا العلم بلا نزاع ، وأول من صنف فيه بالإجماع ، وتصنیفه المذکور فيه موجود بحمد الله تعالى ، وهو الکتاب الجلیل المشهور ، المسموع علیه ، المتصل

١١

إسناده الصحیح إلى زماننا المعروف بالرسالة الذی أرسل الإمام عبد الرحمن بن مهدی من خراسان إلى الشافعی فصنفه له ، وتنافس في تحصیله علماء عصره .

أنته قد قیل : إن بعض من تقدّم على الشافعی نقل عنه إلمام ببعض مسائل في أثناء کلامه على بعض الفروع ، وجواب عن سؤال السائل لا یسمن ولا یغنی من جوع ، وهل یعارض مقالة قیلت في بعض المسائل تصنیف کتاب موجود مسموع مستوعب لأبواب العلم . [التمهید ص ٣، ٤] .

ویُبرز الدکتور شعبان محمد اسماعیل تصوّره في نهایة المطاف بهذا الشکل :

فظهر بذلک عدم صحة ما نقل من أن هناک من سبق الإمام الشافعی تدوین علم الأصول ، وثبت أن الواضع الأول لهذا العلم هو الإمام الشافعی رضی الله عنه ـ في کتابه الرسالة (١)

نقول :

إن الرقی کما نفهمه : سموّ النفس الإنسانیة حین تروم الکمال بمعرفة جادة مقیدة مصفاة من شوائب الجهل وذرائع الحجب والانحراف بشتى أطیافها .

ولا نبغی ولوج حیّز التبریر بأقسامه المنطقیة والفلسفية والعلمیة والعملیة ولا حتى عالم الیقین بأقسامه : الریاضی والمنطقی والذاتی والموضوعی ، ولا مباحث النزعة الترجیحیة باتجاهیها السیکولوجی

____________________

(١) أصول الفقه تاریخه ورجاله : ٢٢ ـ ٣٣ .

١٢

والفسیولوجی ، ومسائل الانتخاب الإنسانی ومشکلة تضادّ المصالح . وغیرها ؛ لأن ذلک یقودنا إلى بحوث موسعة معمّقة تخرجنا عن دائرة المقصود ، بل مجرد الإشارة إلیها والتذکیر بها وبضرورة أن تکون المعرفة الإنسانیة إنسانیة خالصة له تبارک وتعالى ، تجعل أمثال السیوطی وأبی زهرة والإسنوی وشعبان والزحیلی وغیرهم قبال تساؤل کبیر : أهذه الإنسانیة الملتزمة السائرة نحو الکمال المنشود؟

أما کان ینبغی لشعبان وغیره أن یکمل مقالة السید حسن الصدر الأنفة الذکر ـ بصحائفها الثلاث ولو بإیجاز؟ انبعاثاً من مفهوم المعرفة الملتزمة ؟

ثم إن ادعاءه : کون الشافعی قد فرّق بین الکتابة المتناثرة والقواعد التی ترد في مسألة فقهیة عارضة ، وبین علم متکامل ومصنّف مستقل .

مرفوض أولاً : بأن هشام بن الحکم ویونس بن عبد الرحمن قد سبقا الشافعی تخصصاً ؛ إذ صنفا في علم الأصول بلا أدنى ریب وشبهة ، ولم مؤلفاتهما من الکتابات المتناثرة ولا من القواعد التی ترد في مسألة فقهیة عارضة .

ثانیاً : إن نعت رسالة الشافعی بالعلم المتکامل والمصنف المستقل، یفتقد الدقة والموضوعیة ..

یقول أحمد محمد شاکر في مقدّمة تحقیقه لرسالة الشافعی :

وکتاب الرسالة ألّفه الشافعی مرّتین . ولذلک یعده العلماء في فهرس مؤلفاته کتابین : الرسالة القدیمة والرسالة الجدیدة . أما الرسالة القدیمة فالراجح عندی أنه ألفها في مکة ، إذ کتب إلیه عبد الرحمن بن مهدی وهو

١٣

شاب أن یضع له کتاباً فيه معانی القرآن ، ویجمع قبول الأخبار فيه ، وحجة الإجماع وبیان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة . فوضع له کتاب الرسالة .

وقال علی بن المدینی : قلت لمحمد بن إدریس الشافعی : أجب عبد الرحمن بن مهدی عن کتابه ، فقد کتب إلیک یسألک ، وهو متشوّق إلى جوابک . قال : فأجابه الشافعی ، وهو کتاب الرسالة التی کتبت عنه في العراق ، وإنما هی رسالته إلى عبد الرحمن بن مهدی .

وبعد أن یذکر الاختلاف في محل تصنیف الرسالة القدیمة ، مکة أم بغداد ، وأن الجدیدة ألفها بمصر ، یقول أحمد محمد شاکر : وأیا ما کان فقد ذهبت الرسالة القدیمة، ولیس في أیدی الناس الآن إلا الرسالة الجدیدة ، هذا الکتاب .

ثم یقول : والراجح أنته ـ الشافعی ـ أملى کتاب الرسالة على الربیع إملاء کما یدل على ذلک قوله في (٣٣٧) : فخفَّف فقال : (عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ) قَرَأ إلى : (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) (١) . فالذی یقول «قرأ» هو الربیع ، یسمع الإملاء ویکتب، فإذا بلغ إلى آیة من القرآن کتب بعضها ثم یقول «الآیة» أو إلى کذا فيذکر ما سمع الانتهاء إلیه منها ، ولکن هنا صرّح بأن الشافعی قرأ إلى قوله : (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) .

إلا أن شاکر مع کل ذلک یقول : وهذا کتاب الرسالة أول کتاب أُلف أصول الفقه ، بل هو أول کتاب أُلف في أصول الحدیث .

ثم یقول في نسخ الکتاب : لم أر نسخة مخطوطة من کتاب الرسالة

____________________

(١) المزّمّل ٧٣ : ٢٠ .

١٤

إلا أصل الربیع ونسخة ابن جماعة . ولکنا نجد في السماعات ـ التی سیراها القارى أن أکثر الشیوخ وکثیراً من السامعین کانت لهم نسخ یصححونها على أصل الربیع ، وأن نسخة ابن جماعة قوبلت على أصول مخطوطة عدیدة ، فأین ذهبت کل هذه الأصول؟! لا أدری .

وفي «أصل الربیع یؤکد أحمد محمد شاکر : من أول یوم قرأتُ في أصل الربیع من کتاب الرسالة أیقنت أنه مکتوب کله بخط الربیع ، وکلّما درسته ومارسته أزددت بذلک یقیناً، فتوقیع الربیع في آخر الکتاب بخطه بإجازة نسخه ... نفهم منه أنه کان ضنیناً بهذا الأصل ، لم یأذن لأحد في نسخة من قبل .

حتى أذن في سنة ٢٦٥ بعد أن جاوز التسعین من عمره، وعبارة الإجازة تدلّ على ذلک ، لمخالفتها المعهود في الإجازات ، إذ یجیز العلماء لتلامیذهم الروایة عنهم ، أما إجازة نسخ الکتاب فشیء نادر لا یکون إلا لمعنى خاص ، وعن أصل حجّةٍ لا تصل إلیه کل ید .

ثم یقول : وأنا أرجح ترجیحاً قریباً من الیقین أن الربیع کتب هذه النسخة من إملاء الشافعی ، لما بینت فيما مضى ، ولأنه لم یذکر الترحم على الشافعی في أی موضع جاء اسمه فيه ، ولو کان کتبها بعد موته لدعـا له بالرحمة ولو مرّةً واحدة کعادة العلماء وغیرهم .

ثم یثلج الصدر ویملؤه یقیناً أن نجد شهادة بخط أحد العلماء الحفاظ الأثبات القدماء ، یسجل فيها أنّ هذه النسخة بخط الربیع ، فنرى هبة الله بن أحمد بن محمد الأکفانی (المتوفى في ٦ محرم سنة ٥٢٤ عن ٨٠ سنة) یکتب بخطه ثلاثة عناوین للأجزاء الثلاثة ، یسوق فيها إسناده إلى الربیع ، ثم یکتب فوق عنوان الأول منها ما نصه : الجزء الأول من الرسالة لأبی عبدالله

١٥

الشافعی بخط الربیع صاحبه . ویکتب فوق عنوان الثالث ما نصه : الجزء الثالث من الرسالة بخط الربیع صاحب الشافعی . وأما عنوان الجزء الثانی ففوقه : الثانی من الرسالة . یظهر أن باقی الکلام ممحو بعارض من عادیات الزمان (١) .

نقول:

انظر الصفحة الأولى من رسالة الشافعی، حیث فيها:

بسم الله الرحمن الرحیم

... الربیع بن سلیمان قال :

بسم الله الرحمن الرحیم

أخبرنا أبو عبدالله محمد بن إدریس بن العباس بن عثمان بن شافع ابن السائب بن عبید بن عبد یزید بن هاشم بن المطلب المطلبی بن عبد مناف ، ابن عم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ... (٢).

فقد اتضح جلیاً أنّ «الکتاب کما قیل في تسمیته ـ أو «الرسالة» لیس من تدوین وتصنیف الشافعی نفسه بل من إملاءاته . وما أعظم وأعمق وأشمل ما أملاه أئمة أهل البیت عليهم‌السلام العلامة على أصحابهم وحواریهم في علم أصول الفقه ،وغیره، أفذلک یسمّى تصنیفاً وهذا لا یسمى؟! أو باؤک تجرّ وبائی لا تجر؟!

____________________

(١) انظر في ذلک کله : الرسالة (للشافعی) ص ١٠ ـ ٢٢ (المقدمة) بقلم محققها أحمد محمد شاکر .

(٢) الرسالة (للشافعی) : ٧ .

١٦

ثالثاً : إن القراءة الدقیقة في فهرس أبواب الکتاب تدحض رأی کلّ من ادعى استقلالیته وتکاملیته .

فهل من الممکن حصر مسائل علم الأصول بالکتاب والسنة والناسخ والمنسوخ والعلم وخبر الواحد والإجماع والقیاس والاجتهاد والاستحسان والاختلاف؟! هذا هو حال رسالة الشافعی .

ثم إن مباحث الصلاة والفرائض المنصوصة والزکاة والحــج والعـدد ومحرمات النساء ومحرّمات الطعام وغسل الجمعة ، الواردة في رسالة الشافعی محلّها مصنفات الفقه عادةً ولیس مصنفات الأصول .

فأين هي یاترى تلک التکاملیة والاستقلالیة المزعومة المنعوتة بها فأین هی رسالة الشافعی ؟!

بل إن الشیخ أبو زهرة نفسه قد اعترف بذلک في مقدمة کتابه محاضرات في أصول الفقه الجعفری إذ یصرّح : ولا نقول أن الشافعی قد أتى بالعلم کاملاً ، بل أضاف لما جاء به الآخرون وحقق فيـه عـلـى قـدر ما یمتلکه استعداد کبیر.

وبهذا الصدد یقول الدکتور محمد فتحی الدرینی : من الخطأ الاعتقاد بأن الإمام الشافعی هو مؤسس علم الأصول ومبتکر قواعده ؛ لأنها کانت کما قدمنا ـ مبثوثة في فقه الصحابة والأئمة قبله ، یقوم علیها ما یدلی به کلّ منهم من الحجج والأدلّة لتأیید وجهة نظره في فهمه للنص ، أو تطبیقه أو استنباطه للحکم الاجتهادی ، أو في معرض بیانه لوجه استدلاله بالدلیل ، أو الرد على مخالفيه ونقدهم (١).

____________________

(١) المناهج الأصولیة : ٩ .

١٧

یقول الدکتور أبو القاسم گرجی : لو کان المقصود من تأسیس علم الأصول هو اختراعه وإیجاده ، فنحن لا نرى صحة نسبة هذا الأمر لأی شخص کان ؛ إذ إنّنا علمنا أن علم الأصول تلفيق لمسائل ترتبط باللغة والأدب والعلوم العقلیة وبناء العقلاء والشارع من هنا فإن اختراع علم الأصول یجب أن یُنسب إلى أهل اللغة والعقل والشارع لا لأی شخص آخر.

فکیف یمکننا القول بأنّ الشافعی هو الذی أسس ووضع قـواعـد : دلالة الأمر على الوجوب والنهی على الحرمة، والتحسین والتقبیح العقلیین ، والعمل بخبر الثقة ، وحجیة الاستصحاب؟ هذه المسألة عینها یمکن أن تلحظ في نسبة وضع المنطق إلى أرسطو .

ولو کان المقصود من تأسیس علم الأصول الکشف والتوضیح والتطبیق للقواعد الأصولیة في استنباط الأحکام فإن نسبته إلى الشافعی إن صح في قسم من القواعد الأصولیة فنحن على یقین بعدم صحته في جمیعها ؛ إذ من الواضح أن باب الاجتهاد والتمسک بالقواعد الأصولیة للاستنباط کان مفتوحاً منذ صدر الإسلام وخاصة بعد وفاة الرسول الکریم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالصحابة والتابعون والفقهاء دأبوا في استنباطهم على الاستناد إلى هذه القواعد ...

في رأینا أن الشافعی لم یکن مؤسس علم الأصول ـ کما تقدم ـ ولم یصنف فيه تصنیفاً کاملاً ، کما اعترف أبو زهرة نفسه بذلک ، بل أضاف لما جاء به الآخرون ... إضافة الى ذلک فإنّ هذا الکتاب شأنه شأن الکتب التی ذکرها السید حسن الصدر عن أمالی الإمامین ، من أمالی الشافعی ولیس من

١٨

تألیفه ... إن رسالة الشافعی لم تطرح مسائل الأصول بشکلها المجرد کما شاع ذلک في العصور التالیة ، بل إنّها طرحت هذه المسائل من خلال الکتاب والسنة ... إضافة الى ذلک فإن علم الأصول في هذا الکتاب الرسالة ـ لیس بغالب على سائر العلوم الأخرى فيه ، لذا فإنا لا نستطیع أن نعتبر رسالة الشافعی من کتب الأصول ولو من باب التغلیب (١) .

تکامل الأصول الشیعی

«مراحل» ، «أدوار » ، «مدارس » ، أیاً کانت التسمیات والتقسیمات والعناوین المصطلحة على مسیرة علم الأصول الشیعی، وأیاً کانت احصائیاتها : اثنان ، ثلاث ، أربع ، تسع .. باختلاف آراء الباحثین والمحققین والمستقرئین ، فإنهم قد اتفقوا على منح مدرسة ـ أو مرحلة أو دور ـ الشیخ الأنصاری قدس‌سره له منزلة التکامل في منزلة التکامل في الأصول الشیعی.

إنها رحلة عطاء فکری دؤوب ومسیرة جهاد معرفي طویل ومعترک علمی مریر ، کادح فيها أعلام المذهب وعباقرته بکل ما أوتوا من مواهب وقدرات ونبوغ لمواجهة مسلسل النفي العقائدی والکیانی الذی تعرّض ولا زال یتعرّض لها مذهب آل البیت الا من مختلف الأطراف المناوئة (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (٢) ، إنه الفتح الإلهی المبارک والنصر الربانی المؤزر ، فقد سطر

____________________

(١) انظر في ذلک کله : نظرة في تطور علم الأصول : ٢٢ ـ ٢٩ .

(٢) الصف ٦١ : ٨ .

١٩

فحول الدین والمذهب الحق ملاحم النتاج المعرفي الراقی الملتزم، على شتى محاور العلم والثقافة والفن والأدب، وغدوا ـ کما کانوا ـ أرباب الرسالة وفوارس میادینها وأبطال ،سوحها لهم الکلمة الفصل وعلیهم المعوّل ، کیف لا ؟ وهم ربائب الدوحة النبویة الشریفة وتلامذة مدرسة الوحی السماوی ، مدرسة آل العصمة والطهارة عليهم‌السلام.

إن تکاملیة الأصول الشیعی لیست میزةً على مستوى المذهب خاصة ، بل على مستوى الإسلام عامة ، فتلک الانطلاقه البطیئة والمتأخرة قلیلاً إثر وجود مصدر التشریع ـ الأئمة عليهم‌السلام ـ لم تکن لتعوّق الأصول الشیعی عن مواصلة المسیر بکل عزم وحزم وثبات.

والاستقراء العلمی المنصف والبحث الموضوعی الدقیق یجعل دعوانا على غایة من المتانة والاطمئنان ، إنّها لیست رغبة ومیل ، ولا مصلحة وتبریر ، ولا مجازفة طائشة تنام على أساس من الترف الفکری الهش ، بل حقیقة ساطعة لا تقبل الغبار أبداً .

وإن استعرضنا خاطفاً أبرز العطاء الأصولی الشیعی من البدء حتى یومنا هذا ، تارکین مناقشة عمق المحتوى وشموخ المضمون وتألق الفکر لأرباب الصناعة والتخصص ؛ اعترافاً منا بعدم الإحاطة بنتاجنا الأصولی الثّر .. سیتجلّى بوضوح شموخ دعوانا ورقیها.

و من جملته:

ـ کتاب الألفاظ ومباحثها ، لهشام بن الحکم (م ١٧٩ هـ).

ـ کتاب اختلاف الحدیث ومسائله، وهو مبحث تعارض الحدیثین ، ومسائل التعادل والتراجیح، لیونس عبد الرحمن (م ٢٠٨ هـ) .

٢٠