العلامة الحلّي
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-319-322-5
ISBN الدورة:
الصفحات: ٤٤٧



المقصد الرابع
في الأمر والنهی
وفيه فصول :
الفصل الأول
في المقدمات
وفيه مباحث :
الأول (١)
ماهیة الکلام
اعلم أنه لما کان الأمر نوعاً من الکلام ، وجب تقدیم تحقیق ماهیته وإن کان البحث عنه مصادرة في هذا الفن، وإنّما یبرهن علیه وعلى تحقیقه المتکلّم ـ فنقول :
اختلف الناس في ماهیة الکلام :
فالذی علیه المحققون من المعتزلة والأوائل : أن الکلام عبارة عن
__________________
(١) لمزید الإطلاع ، راجع هذا البحث في :
البرهان ١ : ١٣٩ مسألة.١١٥.
الحروف والأصوات ، ولیس جنساً متمیزاً في ذاته ، ولا حقیقة مغایرة لهذه العبارات والأصوات الدالة على المعانی (١).
وذهبت الأشاعرة إلى : أن الکلام معنى قائم في النفس وجنس حقیقی ومغایر للحروف والأصوات ، وتدلّ علیه هذه العبارات والرقـوم والکتابة وما عداها من العلامات (٢).
واختلف قول أبی الحسن الأشعری في هذه الأصوات والعبارات ، والظاهر (٣) من قولیه : إنّ الکلام یطلق علیها بنوع من المجاز ، کما تسمى علوماً باعتبار دلالتها علیها (٤).
وذکر في جواب المسائل البصریة : أنها کلام حقیقة ، وکذا کلام النفس (٥).
فعنده أن کلام النفس معنى وجنس وحقیقة ، کالعلم والقدرة وغیرهما ، وأنّ ذلک المعنى مغایر للحروف والأصوات ، ومغایر لتصوّرها ، ومغایر أیضاً لإرادة ما دلّت الحروف والأصوات علیه وللعلم به.
ویذهب أیضاً إلى : أنه في حقّ الله تعالى قدیم ، وأنه واحد لیس أمراً ولا نهیاً ولا خبراً ولا غیر ذلک من أسالیب الکلام (٦).
وهذه الدعاوى کلّها مع عرائها عن برهان غیر متصوّرة ، والبحث في ذلک قد ذکرناه فى کتبنا الکلامیة (٧).
__________________
(١) انظر : شرح الاصول الخمسة : ٥٢٨ ـ ٥٣٠ ، وحکاه عنهم الجوینی في البرهان ١ : ١٤٩ مسألة ١١٥.
(٢) البرهان للجوینی ١ : ١٤٩ مسألة ١١٥.
(٣) في «م» : فالظاهر.
(٤) حکاه في البرهان ١ : ١٤٩ مسألة ١١٥ ، التلخیص ١ : ٢٣٩ ـ ٢٤٣ فقرة ١٨٤ ـ ١٩٠.
(٥) حکاه في البرهان ١ : ١٤٩ مسألة ١١٥.
(٦) حکاه العلّامة في کشف المراد في شرح تجرید الاعتقاد : ٢٨٩
(٧) منها : کشف المراد في شرح تجرید الاعتقاد : ٢٨٩.
البحث الثانی
في حقیقة الأمر (١)
اتفق الناس على أنه حقیقة فى القول المخصوص ، واختلفوا في کونه حقیقة في غیره.
فقال البغدادیون : إنّه مشترک بین القول المخصوص والأدلة العقلیة على وجوب الأفعال (٢).
وقال آخرون : إنه حقیقة فى القول والفعل على سبیل الاشتراک اللفظی (٣).
__________________
(١) لمزید من الاطلاع ، راجع هذا البحث في :
الذریعة ١ : ٢٧ ، العُدّة للشیخ الطوسی ١ : ١٥٩ ، الغنیة لابن زهرة ١ : ٢٧١ معارج الاصول : ٦١ ، المعتمد للبصری ١ : ٤٥ ، الإحکام لابن حزم ٣ : ٢٦٩ ، العدة للقاضی أبی یعلى ١: ٢١٤ ، الفقیه والمتفقه ١ : ٢١٨ ، إحکام الفصول للباجی : ٧٣ ، التبصرة للشیرازی : ١٧ ، اللمع : ٤٥ فقرة ٢٠ ، شرح اللمع ١ : ١٩١ فقرة ٦٦ ، البرهان للجوینی ١ : ١٥١ مسألة ١١٨ ، الورقات للجوینی (شرح الورقات في علم اصول الفقه) : ٧٠ ، اصول البزدوی (کشف الأسرار ١) : ١٥٥ ، اصول السرخسی (المحرر ١ ) : ٧ ، قواطع الأدلة ١ : ٨٠ ، المنخول للغزالی : ١٠٢ ، المستصفى ٣ : ١١٩ ، الواضح في اصول الفقه ١ : ٥٤ ، بذل النظر : ٥١ ، المحصول ٢: ٩، روضة الناظر ٢ : ٥٩٤ ، الإحکام للآمدی :٢ : ٣٥٦ ، الحاصل ١ : ٣٨٨ ، التحصیل ١ : ٢٦١ ، شرح تنقیح الفصول : ١٢٦ ، منهاج الوصول (الابهاج في شرح المنهاج ٢) : ٣.
(٢) حکى الفخر الرازی هذا القول عن بعض الفقهاء في المحصول ٢ : ٩ ، تاج الدین الارموی في الحاصل ١ : ٣٨٨ ، سراج الدین الارموی في التحصیل ١ : ٢٦١.
(٣) حکاه السید المرتضى في الذریعة ١ : ٢٧.
و اختاره السیّد المرتضى (١) ، (وجمع من) (٢) الفقهاء (٣).
وقال ابو الحسین البصری: إنّه مشترک بین القول المخصوص "الشأن" و "الطریق ".
وبین "الشیء"، وبین "الصفة وبین أنه لیس حقیقة في الفعل من حیث إنه (٤) فعل ، بل من حیث (٤) وزعم. إنه (٥) هو شأن (٦).
والحق : أنه حقیقة في القول المخصوص ، ومجاز فيما عداه.
لنا : أنه قد ثبت أنه حقیقة فى القول المخصوص ، فلو کان حقیقة في غیره لزم الاشتراک ، وهو على خلاف الأصل.
لا یقال : إنه مستعمل في غیره ، فلو لم یکن حقیقة لزم المجاز ، وهو على خلاف الأصل أیضاً.
لأنا نقول : قد بیّنا أولویة المجاز على الاشتراک إذا تعارضا (٧).
واحتج السید المرتضى : باستعماله تارة في القول المخصوص وهو وفاق.
وأخرى : في الفعل ؛ فإنّهم یقولون : أمر فلان مستقیم ، وغیر مستقیم ، ویریدون طرائقه وأفعاله، دون أقواله ، ویقولون: هذا أمر عظیم ، کما یقولون : خطب عظیم، ورأیت من فلان أمراً أهالنی ، وقالت الزباء (٨) :
__________________
(١) الذریعة ١ : ٢٧
(٢) في «م» وجمیع.
(٣) منهم : ابن زهرة في الغنیة ١ : ٢٧١.
(٤ و ٦) في «م» لم ترد.
(٦) المعتمد ١ : ٤٥
(٧) تقدم في ج ١ : ٣٣٢.
(٨) الزباء : بنت عمرو بن الظرب ، الملکة المشهورة في الجاهلیة ، صاحبة تدمر وملکة
لأمر ما جدع قصیر أنفه (١). وقال الشاعر :
|
....................................... |
|
لأمر ما یسود من یسود (٢) |
وفي الکتاب العزیز ( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا ) (٣) ویرید به: الأهوال والعجائب التی فعلها الله تعالى ، وخرق بها العادة.
وقوله : ( أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) (٤) وأراد الفعل (٥).
وقوله : ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) (٦) ، ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) (٧) ، تجری في البحر بأمره (٨) ، ( مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ) (٩).
والأصل في الإطلاق الحقیقة على ما تقدّم (١٠).
__________________
الشام والجزیرة ، وکانت من أهل باجرمی) وتتکلّم العربیة ، أو أن امها یونانیة.
وهی التی قتل جذیمة الأبرش أباها ، ثم احتالت علیه فقتلته ، وبعد ذلک حاصرها ابن اخته «عمرو بن عدی بتدبیر أقرب أعوانه «قصیر» ، فلمّا یئست قتلت نفسها بالسمّ. وکانت غزیرة المعارف ، بدیعة الجمال.
ویقدر ذلک في سنة ثمان وخمسین وثلاثمائة قبل الهجرة ، أی : في سنة وثمانین ومائتین میلادی تقریباً.
انظر تراجم أعلام النساء ٢ : ١١٦ ، الامثال ١ : ٤١٣ / ١٢٥٠ ، لابن الأثیر ١ : ٣٤٥ ، ولسان العرب ١ : ٤٤٦ ، والأعلام للزرکلی ٣ : ٤١ ، وأعلام النساء ٢ : ٦.
(١) حکاه المیدانی عن الزباء في مجمع الأمثال ٣ : ١٢١ ، وحکاه الزمخشری في المستقصى من أمثال العرب بلفظ : (لأمر ما حز قصیر أنفه) ٢ : ٢٤٠
(٢) حکاه المیدانی في مجمع الأمثال ٣ ،١٢١ والزمخشری في المستقصى ٢: ٢٤٠.
(٣ و ٥) هود ١١ : ٤٠ ، ٧٣.
(٥) الى هنا موجود في الذریعة ١ : ٢٧ و ٢٨.
(٦) هود ٩٧ :١١.
(٧) القمر ٥٠:٥٤.
(٨) الحج ٢٢ : ٦٥.
(٩) الاعراف ٧ : ٥٤
(١٠) تقدم في ج ١ : ٣١١.
وأیضاً فإنّه قد الأمر القولی على أوامر " ، والفعل على "أمور " ، والاشتقاق دلیل الحقیقة.
وأیضاً لو کان مجازاً ، لم یکن بالزیادة ولا بالنقصان ، ولیس بین القول والفعل شبه حتى یکون بالفعل).
والجواب : لا نسلّم أن الإطلاق دلیل الحقیقة ؛ فإنّه قد یوجد في المجاز.
نعم ، الأصل في الإطلاق الحقیقة، ویعارضه أصالة عدم الاشتراک ، وقد بینا رجحان المجاز على الاشتراک.
سلّمنا ، لکن لم لا یجوز أن یکون المراد في تلک الأمثلة الشأن والطرائق ؟
وقوله تعالى : ( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا ) (٢) یحتمل إرادة القول أو الشأن ، والفعل یطلق علیه الأمر ؛ لعموم کونه شأناً ، لا لخصوص کونه فعلاً.
وکذا الثانیة.
وقوله : ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) (٣) یحتمل القول ، بل لسبق ( فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ) (٤) أی أطاعوه فيما أمرهم.
سلّمنا ، لکن جاز أن یکون المراد شأنه وطریقه.
وقوله : ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ ) (٥) لا یجوز اجراؤه على ظاهره ، وهو الفعل ، وإلا لزم أن یکون فعل الله واحداً، وهو باطل.
__________________
(١) انظر المحصول ٢ : ١٣ ، احکام الآمدی ١ : ٣٦١.
(٢) هود ١١ : ٤٠.
(٣ و ٤) هود ٩٧ :١١.
(٥) القمر ٥٤ : ٥٠.
وأن یحدث کله کلمح بالبصر في السرعة ، ومعلوم أنه لیس کذلک.
وإذا وجب صرفه عن الظاهر حمل على أنه إذا أراد شیئاً وقع کلمح البصر.
وقوله : ( مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ) (١) لا یحمل الأمر هنا على الفعل ؛ إذ الجری والتسخیر إنّما حصلا بقدرته ولا بفعله ، فيحمل على الشأن والطریق.
والأمور جاز أن تکون جمعاً للأمر بمعنى : الشأن ، لا بمعنى الفعل.
سلّمنا ، لکن الجمع لا یدلّ على الحقیقة، کما یجمع الحمار بمعنى : البلید، ویجمع بمعنى الحقیقة بلفظ واحد على أن الصاحب (٢) کان یقول : لا یوجد في لسان العرب "أوامر " في جمع جمع "الأمر " ، بل جمع "الأمر " الواقع على الفعل والقول "أمور " ، و "أوامر " جمع "آمرة"، وکان یقول : إن هذا
__________________
(١) الاعراف : ٥٤
(٢) أبو القاسم الملقب بالصاحب کافي الکفاة ، إسماعیل بن أبی الحسن عباد بن أحمد العباس بن بن إدریس الدیلمی الاصفهانی القزوینی الطالقانی. ولد سنة ست وعشرین وثلاثمائة ، وتوفي سنة خمس وثمانین وثلاثمائة بالری. أستاذ وهو الشیخ عبد القاهر الجرجانی وغیره ، وکان أوحد زمانه وفرید عصره في البلاغة والشعر والفصاحة.
قال الثعالبی عنه : «لیست تحضرنی عبارة أرضاها للإفصاح عن علوّ محله في العلم والأدب ، وجلالة شأنه في الجود والکرم... لأن همة قولی تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعالیه... ».
وله الکثیر من الکتب منها : الوقف والابتداء ، المحیط في اللغة ، أسماء الله تعالى وصفاته ، کتاب الامامة وفيه فضائل أمیر المؤمنین علی عليهالسلام .
انظر : الفهرست لابن الندیم : ١٥٠ ، روضات الجنات ٢ : ١٩ ، أعیان الشیعة ٣ : ٣٢٨ ، إنباه الرواة ١ : ٢٣٦ ، معجم الأدباء ٦ : ١٦٨ ، وفيات الأعیان ١ : ٢٢٨ والعِبَر ٢ : ١٦٦ ، وسِیر أعلام النبلاء ١٦ : ٥١١ / ٣٧٧ ، بغیة الوعاة ١ : ٤٤٩ / ٩١٨.
شیء یذکره الفقهاء (١) .
وأجاب أبو الحسین عن الأخیر بأنّه لا یطلق اسم الأمر على الفعل لا حقیقة ولا مجاز اـ من حیث هو فعل ، وإنّما یقال حقیقة على جملة الشأن (٢).
ونقل عن أصحابه جوابین :
الأول : أنّه یقع على الفعل مجازاً من حیث الزیادة المعنویة ؛ لأن جملة أفعال الإنسان لما دخل فيه القول ، سمّیت الجملة باسم جزئها.
الثانی : الأفعال تشبه الأوامر أن کل واحد منهما یدلّ على سداد أغراض الإنسان ، ولا یلزم تسمیة النهی والخبر أمراً ؛ لعدم اطراد المجاز (٣).
واعترضهما بأنّه یقال : أمر فلان في تجارته أو في صحته مستقیم، ولا یدخل في ذلک أمره الذی هو القول.
واللفظ إنّما وقع علیه اسم الأمر من حیث کان نعتاً مخصوصاً على الفعل ، وکان یجب أن یقع الشبه بینه و بین الفـعـل مـن هـذه الجهة وإن لم یشتبها في فائدة الاسم من کل وجه ، فکان یجب أن یکون المتلفظ باسم الأمر إذا عنى به الفعل ، أن یعنى به ما ذکروه من الشبه ، ومعلوم عدم حظور ذلک بباله ، ولهذا إنّما یجوز التسمیة بالأسد للشبه (٤) في الشجاعة التی هی معظم فائدة قولنا أسد"، ومن یسمی الشجاع " أسداً " یعنی به شجاعته (٥).
ثم احتج أبو الحسین على مذهبه باشتباه الأمر على السامع بین تلک المعانی ، فإنّ من قال : هذا أمر لم یعلم السامع أی تلک أراد.
__________________
(١) لم نعثر علیه ، وحکاه عن اهل اللغة في المعتمد ١ : ٤٨.
(٢) المعتمد ١ : ٤٨
(٣) حکاه في المعتمد ١ : ٤٨
(٤) في «ر» : المشبه
(٥) المعتمد ١ : ٤٨ و ٤٩.
فإن قال : هذا أمر بالفعل علم القول. ولو قال : أمره مستقیم عقل الشأن. ولو قال : تحرّک الجسم لأمر علم أنه تحرّک لشیء. ولو قال : جاء زید لأمر عقل الغرض. وتوقف الذهن عند السماع یدل على تردّده بین (١) ، وأنه حقیقة في کل واحد (٢).
والجواب : بالمنع من تردّد الذهن عنها ، وإنما یحصل التردّد مع وجود قرینة مانعة من حمله على القول، أما مع تجرّده فإنما یفهم منه القول خاصة.
واحتج من منع من کونه حقیقة في الفعل بأمور :
الأول : عدم الاطّراد، فلا یسمّى الأکل والشرب أمراً، فلا یکون حقیقة ؛ إذ هو لازمها.
الثانی : عدم الاشتقاق ، فلا یسمّى الأکل والشارب آمراً.
الثالث : لوازم الأمر منتفية من (٣) الفعل ، فلا یسمى أمراً.
بیان الأوّل : أن الأمر یدخل فيه الوصف المطیع (٤) والعاصی ، وضدّه النهی ، ویمنع منه الخرس.
وعدوه ـ مطلقا ـ من أقسام الکلام ، کما عدوا الخبر منه ، وکلّ ذلک إنّما یصح في القول.
الرابع : یصح النفي ، یقال : ما أمر ، بل فعل ، وهو دلیل المجاز.
الخامس : الأمر الحقیقی له متعلق ، وهو المأمور، وهو غیر متحقق الفعل، فإنّه وإن سمّی أمراً فلا یقال له مأمور ، وانتفاء اللازم یوجب
__________________
(١) في «ر» : الجمع.
(٢) المعتمد ١ : ٤٦.
(٣) في «م» : عن.
(٤) في «ع » ، «م» : بالمطیع.
انتفاء الملزوم (١).
وهذه الوجوه مدخولة :
أمّا أوّلاً : فالمنع من وجوب اطراد الحقیقة.
سلّمنا ، لکن لا نسلّم أنه لا یقال للأکل والشرب أنه أمر.
سلّمنا ، لکن عدم اطراده في کل فعل إن کان مما یمنع من کونه حقیقة (في بعض الأفعال، فعدم اطراده في کل قول مما (٢) حقیقة) (٣) في القول المخصوص ، لا في مطلق کل قول ، وهو غیر مطرد في کل قول على ما لا یخفى.
وإن کان لا یمنع من ذلک في القول ، فکذا في الفعل.
لا یقال : إنّما یجب اطراد الاسم في المعنى الذی کان الاسم حقیقة فيه ، لا في غیره ، والأمر إنّما کان حقیقة في القول المخصوص ، لا في مطلق کل قول ، وهو مطرد في ذلک القول ، فمثله لازم في الأفعال.
فإن للخصم أن یقول (٤) : إنّما هو حقیقة في بعض الأفعال ، لا في کل فعل) (٥) (٦).
__________________
(١) حکى کل هذه الاحتجاجات :
السید المرتضى في الذریعة ١ : ٢٩ ، ابو الحسین البصری في المعتمد ١ : ٤٧ ، الاسمندی في بذل النظر : ٥٢ ، الفخر الرازی في المحصول ٢ : ١٠ ، الآمدی في الاحکام ٢ : ٣٥٧ ، سراج الدین الارموی في التحصیل ١ : ٢٦١.
(٢) في «ع » : إنما.
(٣) في (ر) لم ترد.
(٤) من قوله : یقول إنما هو حقیقة إلى قوله ـ : « وأنه راجح على التهدید والاباحة » في ٢٩ ساقط من «ع ».
(٥) في «ر» لم ترد.
(٦) انظر الإحکام للآمدی ٢ : ٣٦٠.
وفيه نظر ؛ فإنّ الخصم لم یجعله حقیقة في فعل معیّن ، بل في مطلق الفعل ، فورد علیه الإشکال (١) ، بخلاف القول ؛ فإن أحداً لم یجعله حقیقة في مطلق القول ، بل في قول معین.
وأما ثانیاً : فما تقدّم من أنّ الاشتقاق غیر واجب في کل الحقائق (٢) فإنّه لو کان الأصل في الحقائق الاشتقاق لکان المنع من اشتقاق اسم القارورة للجرّة والکوز ـ من قرار المائع فيهما ـ على خلاف الأصل.
لا یقال : ولو لم یکن الاشتقاق على وفق الأصل لکان على خلافه ، لکن المحذور منه أکثر ؛ لکثرة صورة الاشتقاق.
لأنا نقول : لا یلزم من عدم في الاشتقاق أن یکون الاشتقاق على خلاف الأصل ؛ لجواز أن یکون کل من الاشتقاق (وعدمه على خلاف الأصل، بل یتبعان النقل، فإنّه إذا جاز أن یکون الاشتقاق) (٣) مـن تـوابـع الحقیقة، جاز أن یکون من توابع بعض المسمیات، ولیس أحد الأمرین أولى من الآخر ، فلا یلزم من الاشتقاق في بعض المسمیات ، الاشتقاق في غیره ؛ لعدم الاشتراک في ذلک المسمّى (٤).
وفيه نظر ؛ فإن القائلین بوجوب الاشتقاق یسلمون کون عدم الاشتقاق في الجرّة وغیرها لمانع ، وأنّه على خلاف الأصل ؛ إذ الأصل الاشتقاق ، ولما وجدنا الاشتقاق موجوداً في جمیع صور الحقیقة ، إلا ما اشتمل على المانع ، حکمنا بتبعیته لها دون تبعیته لبعض المسمیات ؛ إذ قد یوجد في غیره.
__________________
(١) في «م» : الامکان.
(٢) في «د» ، «ع » : الخواص.
(٣) في (ر) لم ترد.
(٤) الإحکام للآمدی ١ : ٣٦١.
واما ثالثاً : فإنّ العرب حکموا بأن تلک الصفات لازمة لأمر القول ، لا لمطلق الأمر.
وأما رابعاً : فالمنع من صحة النفي مطلقاً.
وأما خامساً : فلما تقدّم.
البحث الثالث
في حده (١)
ذهب أکثر المعتزلة ، ومنهم البلخی (٢) إلى أن الأمر هو قول القائل لمن
__________________
(١) لمزید الاطلاع ، راجع هذا البحث في :
الذریعة ١ : ٣٥ ، العدة للشیخ الطوس ١ : ١٥٩ ، غنیة النزوع ١: ٢٧١ ، معارج فقرة الاصول : ٦٢ ، المعتمد ١: ٤٩ ، الفقیه والمتفقه ١ : ٢١٨ ، التبصرة : ١٧ ، اللّمع ٢٠ ، شرح اللمع ١ : ١٩١ فقرة ٦٦ ، قواطع الأدلّة للسمعانی ١ : ٩٠ ، المنخول : ١٠٢ ، المستصفى ٣ : ١١٩ ، الواضح ١ : ٥٤ ، میزان الاصول ١ : ٢٠٠ ، بذل النظر : ٥١ ، المحصول ٢ : ١٦ ، روضة الناظر ٢ : ٥٩٤ ، الإحکام للآمدی ٢ : ٣٦٢ ، منتهى الوصول : ٨٩ ، المختصر (شرح المختصر ٢) : ١١ ، الحاصل ١ : ٣٩٠ ، التحصیل ١ : ٢٦٣ ، المغنی في أصول الفقه : ٢٧.
(٢) أبو القاسم البلخی هو : عبدالله بن محمود الکعبی ، من متکلمی المعتزلة البغدادیین ، وکان رأس طائفة المسائل والجوابات ، والغرر والنوادر ، والمجالس الکبیر ، والمجالس الصغیر أحمد منهم. وله الکتب : المقالات ، وعیون وغیرها.
وینقل عنه ابن خلکان في الوفيات مقالات منها : أن الله سبحانه وتعالى لیست أفعاله واقعة منه بغیر إرادة ولا مشیئة منه لها... ». وأن له إرادة جمیع.
توفي البلخی سنة سبع عشرة وثلاثمائة ببلخ.
أنظر : الفهرست لابن الندیم: ٢١٩ ، تاریخ بغداد ٩ : ٣٨٤ / ٤٩٦٨ ، وفيات الأعیان ٣ : ٤٥ ، العِبَر ٢ : ٤ ، سیر أعلام النبلاء ١٤ : ٣١٣ ، طبقات المعتزلة : ٨٨ ، لسان المیزان ٣ : ٢٥٥ ، شذرات الذهب ٢ : ٢٨١.
دونه إفعل ، أو ما یقوم مقامه (١).
وأراد بـ: "ما مقامه ما یقوم (٢) الدلالة ، لیدخل فيه حقیقة الأمر من غیر العربی.
واعترض بوجوه :
الأوّل : قد توجد صیغة "إفعل " فيما لیس بأمر ، کالتهدید وغیره.
الثانی : یلزم أن تکون صیغة "إفعل " الواردة على لسان الرسول صلىاللهعليهوآله أمراً ، فيکون هو الأمر ولا یکون رسولاً.
الثالث : قد ترد هذه الصیغة من الأعلى للأدنى على سبیل الخضوع ، ولا یکون أمراً ؛ وقد یرد من الأدنى نحو الأعلى ، ویکون أمراً إذا کانت على سبیل الاستعلاء ، ولهذا یوصف بالجهل والحمق.
الرابع : لو فرضنا أن الواضع لم یضع لفظ "إفعل " لشیء أصلاً حتى کانت هذه اللفظة من المهملات، ففي تلک الحالة لو تلفظ الإنسان بها مع من دونه ، لا یقال فيه إنّه أمر.
الخامس : لو صدرت هذه الصیغة عن النائم والساهی أو على سبیل انطلاق اللسان بها اتفاقاً على سبیل الحکایة لا یقال فيه إنّه أمر.
قیل علیه : لا نسلّم أنه قول لغیره إفعل "(٣)
__________________
(١) حکاه في التبصرة : ١٨ ، البرهان ١ : ١٥١ مسألة ١١٩ ، المستصفى ٣ : ١١٩ ـ ١٢٣، میزان الاصول ١ : ٢٠٢ ـ ٢٠٣ ، المحصول ٢ : ١٦ ، الإحکام للآمدی ٢ : ٣٦٢، منتهى الوصول : ٩٠ ، المختصر (شرح المختصر (٢ : ١٢ ، الحاصل ١ : ٣٩١ ، التحصیل ٢٦٣:١.
(٢) في (م) : من.
(٣) التحصیل ١ : ٢٦٤.
وفيه نظر ؛ فإنّ الغالط والساهی یقال إنّه قال لغیره (١).
السادس : لو وضعت هذه الصیغة بإزاء الخبر، وصیغة الخبر بإزاء الأمر ، لم تکن هذه الصیغة أمراً.
السابع : المطلوب تحدید ماهیة الأمر من حیث هی، وتلک لا تختلف باختلاف اللغات.
لا یقال : قولنا "أو ما یقوم مقامه " یزیل هذا الاشکال.
لانا نقول : إن عنیت بقولک : "أو ما یقوم مقامه " الطلب ، کان تحدید الأمر باللفظ الدال على طلب الفعل کافياً، ویقع التعرض بخصوص صیغة "إفعل " ضائعاً.
وإن عنیت شیئاً آخر ، فبینه.
الثامن : ذکرت "أو " في التحدید ، وهو محترز عنه (٢).
وقال القاضی أبو بکر (٣) من الأشاعرة ، وارتضاه أکثر رة، وارتضاه أکثرهم کالجوینی (٤) والغزالی (٥) ، وغیرهم ، أنه : القول المقتضی طاعة المأمور ، بفعل المأمور من وجوه :
وهو الخطا من وجوه :
الأوّل : لفظتا "المأمور والمأمور به " مشتقتان من الأمر ، فلا یمکن
__________________
(١) في «م» : أمره
(٢) حکى کل هذه الاعتراضات :
الفخر الرازی في المحصول ٢ : ١٦ ، الآمدی في الإحکام ٢ : ٣٦٢ ، سراج الدین الارموی في التحصیل ١: ٢٦٣
(٣) حکاه في المحصول ٢ : ١٦ ، الإحکام للآمدی ١ : ٣٦٥.
(٤) التلخیص ١ : ٢٤٢ فقرة ١٨٥ ، البرهان ١ : ١٥١ مسألة ١١٨.
(٥) المستصفى ٣ : ١١٩.
تعریفهما إلا بالأمر ، فلو عرّف بهما لزم الدور.
الثانی : الطاعة عند الأشاعرة موافقة الأمر (١) ، فلا یمکن تعریفها إلا بالأمر ، فلو عرّفنا الأمر بها دار.
الثالث : القول لا یقتضی بنفسه الطاعة ، بل بالتوقیف أو بالاصطلاح. وهذان الحدّان هما المشهوران عند الفریقین ، ولکلّ منهما حدود أخر.
أما المعتزلة ، فقال بعضهم : الأمر صیغة إفعل على تجردّها عن القرائن الصارفة لها عن جهة الأمر إلى جهة التهدید وغیره (٢) ، وهو دوری.
ومنهم من قال : الأمر عبارة عن صیغة إفعل بإرادات ثلاث : إرادة إحداث الصیغة ، وإرادة الدلالة بها على الأمر ، وإرادة الامتثال.
واحترزوا بالأولى عن النائم إذا وجدت منه الصیغة ، وبالثانیة عـن التهدید وغیره ، وبالثالثة عن الرسول المبلّغ ، فإنه وإن أراد إحداث الصیغة والدلالة بها على الأمر ، فقد لا یرید بها الامتثال (٣).
وفيه : تعریف الأمر بالأمر.
وأیضاً الأمر الذی هو مدلول الصیغة إن کان هو الصیغة کان متهافتاً ؛ حاصله إلى أن الصیغة دالة على الصیغة ، والدال غیر المدلول. یرجع وإن کان هو غیر الصیغة ، امتنع أن یکون الأمر هو الصیغة ، وقد قال :
__________________
(١) حکاه في المحصول ٢ : ١٦
(٢) حکاه في المستصفى ٣ : ١٢٣ ، الإحکام للآمدی ١: ٣٦٣.
(٣) حکاه الجوینی في التلخیص ١ : ٢٤٥ فقرة ١٩٤ ، البرهان ١ : ١٥٢ مسألة ١٢٠ ١٢١ ، الغزالی في المنخول : ١٠٣ ، والمستصفى ٣ : ١٢٤ ، السمر قندی في میزان الاصول ١ : ٢٠٣ ، الآمدی في الاحکام ١ : ٣٦٣ ، ابن الحاجب في منتهى الوصول : ٩٠ وفي المختصر (بیان المختصر ٢) : ١٣.
الأمر (١) صیغة افعل بشرط الدلالة بها على الأمر، فإن الشرط یغایر المشروط ، وإذا کان غیر الصیغة فلابد من تعریفه.
وقال آخرون منهم : الأمر ارادة الفعل (٢) .
ولیس بجیّد ؛ إذ قد توجد الإرادة من دون الأمر.
واعترض أیضاً : بأنّه یلزم وقوع المأمورات کلها ؛ لأن الإرادة مخصصة بحال حدوثه ، فإذا لم توجد لم یتخصص (٣)
وفيه نظر ؛ فإن الإرادة المخصصة ، إنما هی إرادة الفعل الصادر عن المرید ، لا عن المأمور.
وقال أبو الحسین : الأمر قول (٤) یقتضی استدعاء الفعل بنفسه ، لا على جهة التذلّل. وقد دخل فيه قولنا : "إفعل " و "لیفعل ". ولا یلزم أن یکون الخبر عن الوجوب أمراً ؛ لأنّه لا یستدعی الفعل بنفسه ، لکن بواسطة تصریحه بالإیجاب.
وکذا قول القائل : أرید منک أن تفعل ، هو مقتض بنفسه إثبات إرادة الفعل ، وبتوسطها یقتضی البعث على الفعل.
وکذا النهی عن جمیع أضداد الشیء لا یستدعی فعل ذلک الشیء بنفسه ، وإنّما یقتضی ذلک بتوسط اقتضائه قبح تلک الأضداد ، واستحالة
__________________
(١) في «م» : لم ترد.
(٢) حکاه الآمدی في الإحکام ٢ : ٣٦٤ ، ابن الحاجب في منتهى الوصول : ٩٠ وفي المختصر (بیان المختصر ٢ ) : ١٣.
(٣) حکاه الآمدی في الإحکام : ٢ : ٣٦٤ ، ابن الحاجب في منتهی الوصول : ٩٠ وفي المختصر (بیان المختصر ٢) : ١٤.
(٤) في (م) لم ترد.
