نظم الدّرر - ج ٧

برهان الدين البقاعي

نظم الدّرر - ج ٧

المؤلف:

برهان الدين البقاعي


المحقق: عبدالرزّاق غالب المهدي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٦٢٤

١
٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الزخرف

مكية ـ آياتها تسع وثمانون

(حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧))

مقصودها البشارة بإعلاء هذه الأمة بالعقل والحكمة حتى يكونوا أعلى الأمم في العلم وما ينشأ عنه شأنا لأن هدايتهم بأمر لدني هو من أغرب الغريب الذي هو للخواص ، فهو في الرتبة الثانية من الغرابة وأن ذلك أمر لا بد لهم منه وإن اشتدت نفرتهم منه وإعراضهم عنه وأنه لذكر لك ولقومك حتى تكونوا أهلا للجنة وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ، ولم يقل : وهم ، وعلى ذلك دلت تسميتها بالزخرف لما في آيتها من أنه لو أراد أن يعم الكفر جميع الناس لعمهم بسبوغ النعم ، ولكنه لم يعمهم بذلك ، بل فاوت بينهم فأفقر بعضهم وأكثر بؤسهم وضرهم وفرق أمرهم ، ليسهل ردهم عن الكفر الذي أدتهم إليه طبائعهم وحظوظهم ونقائصهم بما يشهدون من قباحة الظلم والعدوان إلى ما يرونه من محاسن الدين والإيمان ، ولذة الخضوع للملك الديان ، فتخضع لهم الملوك والأعيان ، ويصير لهم الفرقان على جميع أهل العصيان (بِسْمِ اللهِ) الذي له مقاليد الأمور كلها فهو يعلي من شاء وإن طال سفوله (الرَّحْمنِ) الذي نال بره جميع خلقه على حسب منازلهم عنده (الرَّحِيمِ) الذي يقبل بمن شاء إلى ما يقربه لديه زلفى وإن وصل في البعد إلى الحد الأقصى (حم) حكمة محمد التي أوحاها الله إليه.

ولما قدم آخر تلك أنه جعل ما أوحي إليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم نورا يهدي به من يشاء ، وكان قد تقرر في السور الماضية ما له من الجلالة بأنه تنزيله ، وختم بأنه لا أمر يخرج عنه سبحانه

٣

إشارة إلى أنه يردهم عن غيهم وكانوا يمكرون أن يرجعوا ، فاقتضى الحال غاية التأكيد ، وكان إقسام الله تعالى بالأشياء إعلاما بجلالة ما فيها من الحكم وتنبيها على النظر فيما أودعها من الأسرار التي أهلها للإقسام بها ، افتتح هذه بتعظيم هذا الوحي بالإقسام به حثا على تدبر ما فيه من الوجوه التي أوجبت أن يكون قسما ثم تعظيم أثره فقال : (وَالْكِتابِ) أي وإعجاز هذا الجامع لكل خير وغير ذلك من أنواع عظمته (الْمُبِينِ) أي البين في نفسه ، المبين لجميع ما فيه من العظمة والشرائع والسنن ، واللطائف والمعارف والمنن ، بيانا عظيما شافيا.

ولما كانوا ينكرون أن يرجعوا به عما هم فيه ، وأن يكون من عند الله ، أكد ما يكذبهم من قوله فيما مضى آخر الشورى أنه نور وهدى وروح معبرا بالجعل لذلك دون الإنزال لأنه قد دل عليه جميع السور الماضية تارة بلفظه وأخرى بلفظ الوحي ، فقال مقسما بالكتاب على عظمة الكتاب ، قال السمين : ومن البلاغة عندهم كون القسم والمقسم عليه من واد واحد ، وهذا إن أريد بالكتاب القرآن فإن أريد به أعم منه كان بعض القسم به ، وصرف القول إلى مظهر العظمة تشريفا للكتاب : (إِنَّا جَعَلْناهُ) أي صيرناه ووضعناه وسميناه مطابقة لحاله بالتعبير عن معانيه بما لنا من العظمة (قُرْآناً) أي مع كونه مجموع الحروف والمعاني جامعا ، ومع كونه جامعا فارقا بين الملتبسات (عَرَبِيًّا) أي جاريا على قوانين لسانهم في الحقائق والمجازات والمجاز فيه أغلب لأنه أبلغ ولا سيما الكنايات والتمثيلات ، وصرف القول عن تخصيص نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالخطاب إلى خطابهم تشريفا له صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولهم فيما يريده بهم وتنبيها على سفول أمرهم في وقت نزولها فقال : (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي لتكونوا أيها العرب على رجاء عند من يصح منه رجاء من أن تعقلوا أنه من عندنا لم تبغوا له أحدا علينا وتفهموا معانيه وجميع ما في طاقة البشر مما يراد به من حكمه وأحكامه ، وبديع وصفه ومعجز وصفه ونظامه ، فترجعوا عن كل ما أنتم فيه من المغالبة ، ولا بد أن يقع هذا الفعل ، فإن القادر إذا عبر بأداة الترجي حقق ما يقع ترجيه ، ليكون بين كلامه وكلام العاجز فرق ، وسيبلغ هذا الجامع أقصاكم كما عرض على أدناكم وكل منكم يعلم أنه عاجز عن مباراة آية منه في حسن معناها ، وجزالة ألفاظها وجلالة سبكها ، ونظم كل كلمة منها بالمحل الذي لا يمكن زحزحتها عنه بتقديم ولا تأخير ، ولا أن يبدل شيء منها بما يؤدي معناه أو يقوم مقامه ، كما أن ذلك في غاية الظهور في موازنة (فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [البقرة : ١٧٩] مع «القتل أنفى للقتل» وذلك بعض آية فكيف بآية فما فوقها فتخضع له جبابرة ألبابكم وتسجد له جباه عقولكم ، وتذل لعزته شوامخ أفكاركم ، فتبادرون إلى تقبله وتسارعون إلى حفظه وتحمله

٤

علما منكم بأنه فخر لكم لا يقاربه فخر ، وعز لا يدانيه عز ، ثم يتأمل الإنسان منكم من خالفه فيه من بعيد أو قريب ولد أو والد إلى أن تدين له الخلائق ، وتتصاغر لعظمته الجبال الشواهق ، والآية ناظرة إلى آية فصلت (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا) الآية [فصلت : ٤٤].

ولما كانوا ينكرون تعظيمه عنادا وإن كانوا يقرون بذلك في بعض الأوقات ، قال مؤكدا لذلك وتنبيها على أنه أهل لأن يقسم به ، ويزاد في تعظيمه لأنه لا كلام يشبهه ، بل ولا يدانيه بوجه : (وَإِنَّهُ) أي القرآن ، وقدم الظرفين على الخبر المقترن باللام اهتماما بهما ليفيد بادىء بدء أن علوه وحكمته ثابتة في الأم وأن الأم في غاية الغرابة عنده (فِي أُمِّ الْكِتابِ) أي كائنا في أصل كل كتاب سماوي ، وهو اللوح المحفوظ ، وزاد في شرفه بالتعبير بلدى التي هي لخاص الخاص وأغرب المستغرب ونون العظمة فقال مرتبا للظرف على الجار ليفيد أن أم الكتاب من أغرب الغريب الذي عنده (لَدَيْنا) على ما هو عليه هناك (لَعَلِيٌّ).

ولما كان العلي قد يتفق علوه ولا تصحبه في علوه حكمة ، فلا يثبت له علوه ، فيتهور بنيانه وينقص سفوله ودنوه ، قال : (حَكِيمٌ) أي بليغ في كل من هاتين الصفتين راسخ فيهما رسوخا لا يدانيه فيه كتاب فلا يعارض في عليّ لفظه ، ولا يبارى في حكيم معناه ، ويعلو ولا يعلى عليه بنسخ ولا غيره ، بل هناك مكتوب بأحرف وعبارات فائقة رائقة تعلو عن فهم أعقل العقلاء ، ولا يمكن بوجه أن يبلغها أنبل النبلاء ، إلا بتفهيم العلي الكبير ، الذي هو على كل شيء قدير.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أخبر سبحانه بامتحان خلف بني إسرائيل في شكهم في كتابهم بقوله : (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) [الشورى : ١٤] ووصى نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتبري من سيىء حالهم والتنزه عن سوء محالهم فقال (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ) الآية [الشورى : ١٥] وتكرر الثناء على الكتاب العربي كقوله (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا) [الشورى : ٧] وقوله (اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ) [الشورى : ١٧] وقوله (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) ـ إلى آخر السورة ، أعقب ذلك بالقسم به وعضد الثناء عليه فقال (حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) ولما أوضح عظيم حال الكتاب وجليل نعمته به ، أردف ذلك بذكر سعة عفوه وجميل إحسانه إلى عباده ورحمتهم بكتابه مع إسرافهم وقبيح مرتكبهم فقال : (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ

٥

صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ) ولما قدم في الشورى قوله (لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً) فأعلم أن ذلك إنما يكون بقدرته وإرادته ، والجاري على هذا أن يسلم الواقع من ذلك ويرضى بما قسم واختار ، عنف تعالى في هذه السورة من اعتدى وزاغ فقال (وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) فكمل الواقع هنا بما تعلق به ، وكذلك قوله تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) وقوله في الزخرف (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ) إلى آخره ـ انتهى.

ولما أفهم تكرير هذا التأكيد أنهم يطعنون في علاه ، ويقدحون في بديع حلاه ، فعل من يكرهه ويأباه ، إرادة للإقامة على ما لا يحبه الله ولا يرضاه ، قال منكرا عليهم : (أَفَنَضْرِبُ) أي نهملكم فنضرب أن ننحي ونسير مجاوزين (عَنْكُمُ) خاصة من بين بني إبراهيم عليه الصلاة والسّلام (الذِّكْرَ) أي الوعظ المستلزم للشرف (صَفْحاً) أي بحيث يكون حالنا معكم حال المعرض المجانب بصفحة عنقه ، فلا نرسل إليكم رسولا ، ولا ننزل معه كتابا فهو مفعول له أي نضرب لأجل إعراضنا عنكم ، أو يكون ظرفا بمعنى جانبا أي نضربه عنكم جانبا ، قال الجامع بين العباب والمحكم : أضربت عن الشيء : كففت وأعرضت ، وضرب عنه الذكر وأضرب عنه : صرفه ، وقال الإمام عبد الحق في الواعي : والأصل في ضرب عنه الذكر أن الراكب إذا ركب دابته فأراد أن يصرفه عن جهته ضربه بعصاه ليعدله عن جهته إلى الجهة التي يريدها ، فوضع الضرب في موضع الصرف والعدل ، قال الهروي : قال الأزهري : يقال : ضربت عنه وأضربت بمعنى واحد ، ونقل النواوي عنه أنه قال : إن المجرد قليل ، فالحاصل أن الضرب إيقاع شيء على آخر بقوة ، فمجرده متعد إلى واحد ، فإن عدي إلى آخر ب «عن» ضمن معنى الصرف ، وإذا زيدت همزة النقل فقيل : أضربت عنه ، أفادت الهمزة قصر الفعل ، وأفهمت إزالة الضرب ، فمعنى الآية : أفنضرب صارفين عنكم الذكر صفحا ، أي معرضين إعراضا شديدا حتى كأنا ضربنا الذكر لينصرف عنكم معرضا كإعراض من ولى إلى صفحة عنقه ، ثم علل إرادتهم هذا الإعراض بما يقتضي الإقبال بعذاب أو متاب فقال : (أَنْ) أي أنفعل ذلك لأن (كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ) أي لأجل أن كان الإسراف جبلة لكم وخلقا راسخا ، وكنتم قادرين على القيام به في تكذيب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقدح فيما يأتي به والاستهزاء بأمره بترككم خشية من شدتكم أو رجاء من غير تذكير لتوبتكم وقد جعل حينئذ المقتضى مانعا ، فإن المسرف أجدر بالتذكير وأحوج إلى الوعظ ، هذا

٦

إن كان مقربا ، وأما البعيد فإنه لا يلتفت إليه من أول الأمر ، بل لو أراد القرب طرد ، وعلى قراءة نافع وحمزة والكسائي بكسر «إن» على كونها شرطية يكون الكلام مسبوقا على غاية ما يكون من الإنصاف ، فيكون المعنى : أنترككم مهملين فننحي عنكم الذكر والحال أنكم قوم يمكن أن تكونوا متصفين بالإسراف ، يعني أن المسرف أهل لأن يوعظ ويكلم بما يرده عن الإسراف ، وأنتم وإن ادعيتم أنكم مصلحون لا تقدرون أن تدفعوا عنكم إمكان الإسراف فكيف يدفع عنكم إنزال الذكر الواعظ وأنتم بحيث يمكن أن تكونوا مسرفين فتحتاجوا إليه ـ هذا ما لا يفعله حكيم في عباده ، بل هو سبحانه للطفه وزيادة بره لا يترك دعاء عباده إلى رحمته وإن كانوا مسرفين قد أمعنوا في الشراد ، والجحد والعناد ، فيدعوهم بأبلغ الحجة ، وهو هذا القرآن الذي هو أشرف الكتاب على لسان هذا النبي الذي هو أعظم الرسل ليهتدي من قدرت هدايته وتقوم الحجة على غيره.

ولما كان المعنى أن لا نترككم هملا ، كان كأنه قيل : هيهات منكم فلنرفعنكم كما رفعنا بني إسحاق من إسرائيل وعيسو عليهم الصلاة والسّلام ، فلقد أرسلنا إليكم مع أنكم أعلى الناس رسولا هو أشرفكم نسبا وأزكاكم نفسا وأعلاكم همة و

أرجحكم عقلا وأوفاكم أمانة وأكرمكم خلقا وأوجهكم عشيرة ، فعطف قوله تأنيسا للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتأسية وتعزية وتسلية : (وَكَمْ أَرْسَلْنا) أي على ما لنا من القدرة على ذلك والعظمة الباهرة المقتضية لذلك.

ولما كان الإرسال يقع على أنحاء من الأشكال ، ميزه بأن قال : (مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ) ثم حكى حالهم الماضية إشارة إلى استمرار حال الخلق على هذا فقال : (وَما) أي والحال أنه ما (يَأْتِيهِمْ) وأغرق في النفي بقوله : (مِنْ نَبِيٍ) أي في أمة بعد أمة وزمان بعد زمان (إِلَّا كانُوا) أي خلقا وطبعا وجبلة (بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) كما استهزأ قومك ، وتقديم الظرف للإشارة إلى أن استهزاءهم به لشدة مبالغتهم فيه كأنه مقصور عليه.

(فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣))

٧

ولما كان الاستهزاء برسول الملك استهزاء به ، وكانت المماليك إنما تقام بالسياسة بالرغبة والرهبة وإيقاع الهيبة حتى يتم الجلال وتثبت العظمة ، فكان لذلك لا يجوز في عقل عاقل أن يقر ملك على الاستهزاء به ، سبب عن الاستهزاء بالرسل الهلاك فقال : (فَأَهْلَكْنا) وكان الأصل الإضمار ، ولكنه أظهر الضمير بيانا لما كان في الأولين من الضخامة صارفا أسلوب الخطاب إلى الغيبة إقبالا على نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم تسلية له وإبلاغا في وعيدهم فقال : (أَشَدَّ مِنْهُمْ) أي من قريش الذين يستهزئون بك (بَطْشاً) من جهة العد والعدد والقوة والجلد فما ظنهم بأنفسهم وهم أضعف منهم إن تمادوا في الاستهزاء برسول الله الأعلى.

ولما ذكر إهلاك أولئك ذكر أن حالهم عند الإهلاك كان أضعف حال ليعتبر هؤلاء فقال : (وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي وقع إهلاكهم الذي كان مثلا يتمثل به من بعدهم ، وذكر أيضا في القرآن الخبر عنه بما حقه أن يشير مشير المثل بل ذكر أن من عبده الأولون واعتمدوا عليه مثل بيت العنكبوت فكيف بالأولين أنفسهم فكيف بهؤلاء ، فإن الحال أدى إلى أنهم أضعف من الأضعف من بيت العنكبوت فلينتظروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك ، بأيدي جند الله من البشر أو الملائكة.

ولما كان التقدير : فلئن سألتهم عمن سمعوا بخبره ممن ذكرناهم من الأولين ليعترفن بما سمعوا من خبرهم لأنا لم نجعل لهم على المباهتة فيه جرأة لما طبعناهم عليه في أغلب أحوالهم من الصدق ، عطف عليه قولهم مبينا لجهلهم بوقوعهم في التناقض مؤكدا له لما في اعترافهم به من العجب المنافي لحالهم : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) أيضا عما هو أكبر من ذلك وأدل على القدرة ، وجميع صفات الكمال فقلت لهم : (مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ) على علوها وسعتها (وَالْأَرْضَ) على كثرة عجائبها وعظمتها (لَيَقُولُنَ) أي من غير توقف.

ولما كان السؤال عن المبتدأ ، كان الجواب المطابق ذكر الخبر ، فكان الجواب هنا : الله ـ كما في غيره من الآيات ، لكنه عدل عنه إلى المطابقة المعنوية لافتا القول عن مظهر العظمة إلى ما يفيد من الأوصاف القدرة على كل شيء ، وأنه تعالى يغلب كل شيء ، ولا يغلبه شيء مكررا للفعل تأكيدا لاعترافهم زيادة في توبيخهم وتنبيها على عظيم غلطهم ، فقال معبرا بما هو لازم لاعترافهم له سبحانه بالتفرد بالإيجاد لأنه أنسب الأشياء لمقصود السورة وللإبانة التي هي مطلعها. (خَلَقَهُنَ) الذي هو موصوف بأنه (الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) أي الذي يلزم المعترف بإسناد هذا الخلق إليه أن يعترف بأنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء وأن علمه محيط بكل شيء ، فيقدر على إيجاده على وجه من

٨

البداعة ثم على أكمل منه ثم أبهج منه وهلم جرا إلى ما لا نهاية له ـ هذا هو الأليق بكمال ذاته وجليل صفاته ، ونعوذ بالله من عمى المعتزلة والفلاسفة أصحاب الأذهان الجامدة والعقول الكاسدة والعرب لجهلهم يعبدون مع اعترافهم بهذا غيره ، وذلك الغير لا قدرة له على شيء أصلا ، ولا علم له بشيء أصلا ، فقد كسر هذا السؤال بجوابه حجتهم ، وبان به غلطهم وفضيحتهم ، حتى بان لأولي الألباب أنهم معاندون.

ولما كان جوابهم بغير هاتين الصفتين ودل بذكرهما على أنهما لا زمان لاعترافهم تنبيها لهم على موضع الحجة ، أتبعهما من كلامه دلالة على ذلك قوله التفاتا إلى الخطاب لأنه أمكن في التقريع والتوبيخ والتشنيع وتذكيرا لهم بالإحسان الموجب للإذعان وتفصيلا للقدرة : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ) فإنه لو كان ذلك قولهم لقالوا لنا (الْأَرْضَ مَهْداً) أي فراشا ، قارة ثابتة وطية ، ولو شاء لجعلها مزلزلة لا يثبت فيها شيء كما ترون من بعض الجبال ، أو جعلها مائدة لا تثبت لكونها على تيار الماء ، ولما جعل الأرض قرارا لأشباحكم جعل الأشباح قرارا لأرواحكم وطوقها حمل قرارها وقوة التصرف به في حضورها وأسفارها ليدلكم ذلك على تصرفه سبحانه في الكون وتصريفه له حيث أراد ، وأنه الظاهر الذي لا أظهر منه والباطن الذي لا أبطن منه ، قال القشيري : فإذا انتهى مدة كون النفوس على الأرض حكم الله بخرابها ، كذلك إذا فارقت الأرواح الأشباح بالكلية قضى الله بخرابها ، وأعاد الفعل تنبيها على تمكنه تعالى من إقامة الأسباب لتيسير الأمور الصعاب إعلاما بأنه لا يعجزه شيء : (وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً) أي طرقا تسلكونها بين الجبال والأودية ، ولو شاء لجعلها بحيث لا يسلك في مكان منها كما جعل بعض الجبال كذلك ، ثم ذكر العلة الغائبة في ذلك فقال : (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي ليكون خلقنا لها كذلك جاعلا حالكم حال من يرجى له الهداية إلى مقاصد الدنيا في الأسفار وغيرها ظاهرا فتتوصلون بها إلى الأقطار الشاسعة والأقاليم الواسعة للأمور الرافقة النافعة ، فإنها إذا تكرر سلوكها صار لها من الآثار الناشئة من كثرة التكرار ما يهدي كل مار وإلى المقاصد الأخرى وحكمتها باطنا إذا تأمل الفطن حكمة مسخرها وواضعها وميسرها.

ولما كان إنزال الماء من العلو في غاية العجب لا سيما إذا كان في وقت دون وقت ، وكان إنبات النبات به أعجب ، وكان دالا على البعث ولا بد ، وكان مقصود السورة أنه لا بد من ردهم عن عنادهم بأعظم الكفران إلى الإيمان ، والخضوع له بغاية الإذعان ، قال دالا على كمال القدرة على ذلك وغيره بالتنبيه على كمال الوصف بالعطف وبإعادة الموصول الدال على الفاعل المذكر بعظمته للتنبيه على أن الإعادة التي هذا

٩

دليلها هي سر الوجود ، فهي أشرف مما أريد من الآية الماضية بمهد الأرض وسلك السبل : (وَالَّذِي نَزَّلَ) أي بحسب التدريج ، ولو لا قدرته الباهرة لكان دفعة واحدة أو قريبا منها (مِنَ السَّماءِ) أي المحل العالي (ماءً) عذبا لزروعكم وثماركم وشربكم بأنفسكم وأنعامكم (بِقَدَرٍ) وهو بحيث ينفع الناس ولا يضر بأن يكون على مقدار حاجاتهم ، ودل على عظمة الإنبات بلفت القول إلى مظهر العظمة تنبيها على أنه الدليل الظاهر على ما وصل به من نشر الأموات فقال مسببا عن ذلك : (فَأَنْشَرْنا) أي أحيينا ، والمادة تدور على الحركة والامتداد والانبساط (بِهِ) أي الماء (بَلْدَةً) أي مكانا يجتمع الناس فيه للإقامه معتنون بإحيائه متعاونون على دوام إبقائه (مَيْتاً) أي كان قد يبس نباته وعجز أهله عن إيصال الماء إليه ليحيى به ، ولعله أنث البلد وذكر الميت إشارة إلى أن بلوغها في الضعف والموت بلغ الغاية بضعف أرضه في نفسها وضعف أهله عن إحيائه وقحط الزمان واضمحلال ما كان به من النبات.

ولما كان لا فرق بين جمع الماء للنبات من أعماق الأرض بعد أن كان ترابا من جملة ترابها وإخراجه كما كان رابيا يهتز بالحياة على هيئته وألوانه وما كان من تفاريعه أغصانه بأمر الله وبين جميع الله تعالى لما تفتت من أجساد الآدميين وإخراجه كما كان بروحه وجميع جواهره وأعراضه إلا أن الله قادر بكل اعتبار وفي كل وقت بلا شرط أصلا ، والماء لا قدرة له إلا بتقدير الله تعالى ، كان فخرا عظيما لأن تنتهز الفرصة لتقدير ما هم له منكرون وبه يكفرون من أمر البعث ، فقال تعالى إيقاظا لهم من رقدتهم بعثا من موت سكرتهم : (كَذلِكَ) أي مثل هذا الإخراج العظيم لما تشاهدونه من النبات (تُخْرَجُونَ) من الموت الحسي والمعنوي بأيسر أمر من أمره تعالى وأسهل شأن فتخرجون في زمرة الأموات من الأرض ثانيا فإذا (أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) [الروم : ٢٠] وتخرجون من ظلمة الجهل إلى نور الإيمان فإذا أنتم حكماء عالمون.

ولما انتهزت هذه الفرصة ، وسوغ ذكرها ما أثره سوء اعتقادهم من عظيم الغصة ، شرع في إكمال ما يقتضيه الحال من الأوصاف ، فقال عائدا إلى أسلوب العزة والعلم للإيماء إلى الحث على تأمل الدليل على بعث الأموات بانتشار الموات معيدا للعاطف تنبيها على كمال ذلك الوصف الموجب لتحقيق مقصود السورة من القدرة على ردهم بعد صدهم : (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ) أي الأصناف المتشاكلة التي لا يكمل شيء منها غاية الكمال إلا بالآخر على ما دبره سبحانه في نظم هذا الوجود (كُلَّها) من النبات والحيوان ، وغير ذلك من سائر الأكوان ، لم يشاركه في شيء منها أحد.

١٠

ولما ذكر الأزواج ، وكان المتبادر إلى الذهن إطلاقها على ما هو من نوع واحد ، دل على أن المراد ما هو أعم ، فقال ذاكرا ما تشاكل في الحمل وتباين في الجسم : (وَجَعَلَ لَكُمْ) لا لغيركم فاشكروه (مِنَ الْفُلْكِ) أي السفن العظام في البحر (وَالْأَنْعامِ) في البر (ما تَرْكَبُونَ) وحذف العائد لفهم المعنى تغليبا للمتعدي بنفسه في الأنعام على المتعدي بواسطة في الفلك.

ولما ذكر النعمة الناشئة عن مطلق الإيجاد ، ذكر بنعمة الراحة فيه فقال معللا : (لِتَسْتَوُوا) أي تكونوا مع الاعتدال والاستقرار والتمكن والراحة (عَلى ظُهُورِهِ) أي ظهور كل من ذلك المجعول ، فالضمير عائد على ما جمع الظهر نظرا للمعنى تكثيرا للنعمة ، وأفرد الضمير ردا على اللفظ دلالة على كمال القدرة بعظيم التصريف برا وبحرا أو تنبيها بالتذكير على قوة المركوب لأن الذكر أقوى من الأنثى.

ولما أتم النعمة بخلق كل ما تدعو إليه الحاجة ، وجعله على وجه دال على ما له من الصفات ، ذكر ما ينبغي أن يكون من غايتها على ما هو المتعارف بينهم من شكر المنعم ، فقال دالا على عظيم قدر النعمة وعلو غايتها وعلو أمر الذكر بحرف التراخي : (ثُمَّ تَذْكُرُوا) أي بقلوبكم ، وصرف القول إلى وصف التربية حثا على تذكر إحسانه للانتهاء عن كفرانه والإقبال على شكرانه فقال : (نِعْمَةَ رَبِّكُمْ) الذي أحسن إليكم بنعمة تسخيرها لكم وما تعرفونها من غيرها.

ولما كان الاعتدال عليه أمرا خارقا للعادة بدليل ما لا يركب من الحيوانات في البر والجوامد في البحر وإن كان قد أسقط العجب فيه كثرة إلفه ذكر به فقال : (إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) ولما كان تذكر النعمة يبعث الجنان واللسان والأركان على الشكر لمن أسداها قال : (وَتَقُولُوا) أي بألسنتكم جمعا بين القلب واللسان. ولما كان الاستواء على ذلك مقتضيا لتذكر النقص بالاحتياج إليها في بلوغ ما ركبت لأجله وفي الثبات عليها وخوف العطب منها وتذكر أن من لا يزال يحسن إلى أهل العجز الذين هم في قبضته ابتداء وانتهاء من غير شيء يرجوه منهم لا يكون إلا بعيدا من صفات الدناءة وأن استواءه على عرشه ليس كهذا الاستواء المقارن لهذه النقائص وأنه ليس كمثله شيء ، كان المقام للتنزيه فقال : (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ) أي بعلمه الكامل وقدرته التامة (لَنا هذا) أي الذي ركبناه سفينة كان أو دابة (وَما) أي والحال أنا ما (كُنَّا) ولما كان كل من المركوبين في الواقع أقوى من الركاب ، جعل عدم إطاقتهم له وقدرتهم عليه كأنه خاص به ، فقال مقدما للجار دلالة على ذلك : (لَهُ مُقْرِنِينَ) أي ما كان في جبلتنا إطاقة أن يكون قرنا له

١١

وحده لخروج قوته من بين ما نعالجه ونعانيه عن طاقتنا بكل اعتبار ولا مكافئين في القوة غالبين ضابطين ، مطيقين من أقرن الأمر : أطاقه وقوي عليه فصار بحيث يقرنه بما شاء.

(وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨))

ولما كان كل راكب شيئا من هذين الصنفين مستحضرا كل حين أنه ينقلب بطن شقة أسفاره إلى محل قراره ، ذكرهم سبحانه بذلك أن ظهر هذه الأرض لهم مثل ظهور السفن والدواب يسبحون بها في لجج أمواج الزمان وتصاريف الحدثان ، هم على ظهرها مسافرون ، ولكنهم لطول الإلف عنه غافلون ، وقليلا ما يذكرون ، وأنهم على خطر فيما صاروا إليه من ظهور هذه الأشياء يوشك أن يكون سبب موتهم ومثير هلكهم وقوتهم ، فقال عاطفا على ما تقديره : فمن ربنا كان ابتداؤنا لا نعلم شيئا ولا نقدر على شيء ، والآن نحن متى شئنا ساكنون ، ومهما أردنا منتشرون (وَإِنَّا إِلى رَبِّنا) المحسن إلينا بالبداءة والإقرار على هذه التنقلات على هذه المراكيب لا إلى غيره (لَمُنْقَلِبُونَ) أي لصائرون ومتوجهون وسائرون بالموت وما بعده إلى الدار الآخرة انقلابا لا إياب معه إلى هذه الدار ، فالآية منبهة بالسير الدنيوي على السير الأخروي ، وأكد لأجل إنكارهم للبعث حتى لا يزالوا مراقبين للمنعم عليهم ، ويجوز أن يكون المعنى أنه لما أمرهم بالمراقبة على نعمة الركوب ، عبر بالانقلاب تذكيرا بنعمته عليهم في حال الدعة والسكون قبل الانقلاب وبعده ، أي وإنا بعد رجوعنا إلى نعمة ربنا لمنقلبون أي وإنا في نعمة في كل حال ، روى أحمد وأبو داود والترمذي ـ وقال : حسن صحيح ـ والنسائي عن علي رضي الله عنه أنه وضع رجله في الركاب وقال : بسم الله ، فلما استوى على الدابة قال : الحمد لله الذي سخر لنا هذا ـ الآية ، ثم حمد الله ثلاثا وكبر ثلاثا ثم قال : سبحانك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي ، ثم ضحك ، وأخبر أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فعل مثله ، وقال : «يعجب الرب من عبده إذا قال : رب اغفر لي ويقول : علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» (١). روى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أردفه على دابة ، فلما استوى عليها كبر ثلاثا وحمد الله ثلاثا وسبح ثلاثا وهلل الله واحدة

__________________

(١) جيد. أخرجه أبو داود ٢٦٠٢ والترمذي ٣٤٤٦ وابن حبان ٢٦٩٨ والحاكم ٢ / ٩٨ ـ ٩٩ والطيالسي ١٣٢ والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٤٧١ من حديث علي وإسناده جيد.

١٢

ثم استلقى عليه فضحك ثم أقبل علي فقال : ما من امرىء مسلم يركب دابته فيصنع كما صنعت إلا أقبل الله عليه يضحك إليه كما ضحكت إليك (١). وروى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان إذا ركب راحلته ثلاثا ثم قال : سبحن الذي سخر لنا هذا الآية ، ثم يقول : اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا السفر واطو لنا البعيد ، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا ، وكان إذا رجع إلى أهله قال : آئبون تائبون إن شاء الله عابدون لربنا حامدون. (٢) وروى أحمد عن أبي لاس الخزاعي رضي الله عنه قال : حملنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على إبل من إبل الصدقة إلى الحج ، فقلنا : يا رسول الله! ما نرى أن تحملنا هذه ، فقال : ما من بعير إلا في ذروته شيطان فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما أمركم ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله عزوجل (٣).

ولما علم بهذا الاعتراف منه وما تبعه من التقريب أن العالم كله متزاوج بتسخير بعضه لبعض ، فثبت أن خالقه مباين له لا يصح أصلا أن يكون محتاجا بوجه لأنه لا مثل له أصلا ، كان موضع التعجيب من نسبتهم الولد إليه سبحانه : فقال لافتا القول عن خطابهم للإعراض المؤذن بالغضب : (وَجَعَلُوا) أي ولئن سألتهم ليقولن كذا اللازم منه قطعا لأنه لا مثل (لَهُ) والحال أنهم نسبوا له وصيروا بقولهم قبل سؤالك إياهم نسبة هم حاكمون بها حكما لا يتمارون فيه كأنهم متمكنون من ذلك تمكن الجاعل فيما يجعله (مِنْ عِبادِهِ) الذين أبدعهم كما أبدع غيرهم (جُزْءاً) أي ولدا هو لحصرهم إياه في الأنثى أحد قسمي الأولاد ، وكل ولد فهو جزء من والده ، ومن كان له جزء كان محتاجا فلم يكن إلها وذلك لقولهم : الملائكة بنات الله ، فثبت بذلك طيش عقولهم وسخافة آرائهم.

ولما كان هذا في غاية الغلظة من الكفر ، قال مؤكدا لإنكارهم أن يكون عندهم

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣٠٤٩ من حديث ابن عباس وإسناده ضعيف منقطع علي لم يسمع من ابن عباس وعلي هو ابن أبي طلحة والحديث صحيح بغير هذا السياق وأما هكذا ففيه نكارة.

(٢) أخرجه مسلم ١٣٤٢ وأبو داود ٢٥٩٩ وابن حبان ٢٦٩٥ وابن خزيمة ٢٥٤٢ وأحمد ٢ / ١٤٤ و ١٥٠ من حديث ابن عمر.

(٣) أخرجه ابن خزيمة ٢٣٧٧ والحاكم ١ / ٤٤٤ والطبراني في الكبير ٢٢ / (٨٣٧) و (٨٣٨) وأحمد ٤ / ٢٢١ (٧٤٧٩) (١٧٤٨٠) من حديث أبي لاس وإسناده حسن صححه الحاكم على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي. ـ وله شاهد آخر عند الحاكم أيضا من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي.

١٣

كفر : (إِنَّ الْإِنْسانَ) أي هذا النوع الذي هم بعضه (لَكَفُورٌ مُبِينٌ) أي مبين الكفر في نفسه مناد عليها بالكفر بيانا لذلك لكل أحد هذا ما يقتضيه طبعه بما هو عليه من النقص بالشهوات والحظوظ ليبين فضل من حفظه الله بالعقل على من سواه من جميع المخلوقات بمجاهدته لعدو وهو بين جنبيه مع ظهور قدرة الله الباهرة بذلك.

ولما كان كأنه قيل إنكارا عليهم وتهكما بهم حيث لم يرضوا بأن جعلوا لمن إليه الجعل من عباده جزءا حتى جعلوه شر الجزئين الإناث ، وهم أشد الناس نفرة منهن : أوهب له ذلك الجزء الذي جعلتموه إناثا غيره قسرا بحيث لم يقدر أن ينفك عنه كما قدم في السورة التي قبله عن نفسه المقدس أنه يهب لمن يشاء إناثا ولا يقدر على التقصير عنهن بوجه ، عادله بقوله عائدا إلى الخطاب لأنه أقعد في التبكيت على اختيار الغي عن الصواب : (أَمِ اتَّخَذَ) أي عالج هو نفسه فأخذ بعد المعالجة وهو خالق الخلق كلهم (مِمَّا يَخْلُقُ) أي يجدد إبداعه في كل وقت كما اعترفتم (بَناتٍ) فلم يقدر بعد التكليف والتعب على غير البنات التي هي أبغض الجزئين إليكم ، ونكر لتخصيصهم اتخاذه ببعض هذا الصنف الذي شاركه فيه غيره ، وعطف على قوله «اتخذ» ليكون منفيا على أبلغ وجه لكونه في حيز الإنكار : (وَأَصْفاكُمْ) وهو السيد وأنتم عبيده (بِالْبَنِينَ) أي الجزء الأكمل لديكم المستحق لأن يكون دائما مستحضرا في الخاطر فلذلك عرفه ولأنهم ادعوا أن هذا النوع كله خاص بهم لم يشاركهم في شيء منه ، فكان هذا الكفر الثاني أعرق في المحال من الأول للزيادة على مطلق الحاجة بالسفه في أنه رضي بالدون الخسيس فلم يشاركهم في شيء من الأعلى ، بل جعل لهم ذلك خالصا صافيا عن أدنى ما يشوبه من كدر. ولما كانت نسبة الولد إليه سبحانه مما لا يبنغي أن يخطر بالبال على حال من الأحوال. وكانت نسبته على سبيل الحقيقة أبعد منها على طريق المثال بأن يقال : الملائكة عنده في العزة بمنزلة البنات عند الأب ، قال مرشدا إلى أن ما قالوه لو كان على قصد التمثيل في غاية القباحة فضلا عن أن يكون على التحقيق ، عائدا إلى الإعراض المؤذن بالمقت والإبعاد : (وَإِذا) أي جعلوا ذلك والحال أنه إذا (بُشِّرَ) من أي مبشر كان (أَحَدُهُمْ) أطلق عليه ذلك تنبيها على أنه مما يسر كالذكر سواء في أن كلا منهما ولد وتارة يسر وتارة يضر وهو نعمة من الخالق لأنه خير من العقم (بِما ضَرَبَ) وعدل عن الوصف بالربوبية لأنه قد يدعى المشاركة في مطلق التربية إلى الوصف الدال على عموم الرحمة ، فتأمله بمجرده كاف في الزجر عن سوء قولهم فقال : (لِلرَّحْمنِ) أي الذي لا نعمة على شيء من الخلق إلا وهي منه (مَثَلاً) أي جعل له شبها وهو الأنثى ، وعبر به دونه أن يقول : بما جعل ، موضع «بما ضرب» تعليما للأدب

١٤

في حقه سبحانه في هذه السورة التي مقصودها العلم الموجب للأدب وزيادة في تقبيح كفرهم لا سيما إن أرادوا الحقيقة بالإشارة إلى أن الولد لا يكون إلا مثل الوالد ، لا يتصور أصلا أن يكون خارجا عن شبهه في خاص أوصافه.

ولما كان تغير الوجه لا سيما بالسواد لا يدرك حق الإدراك إلا بالنهار ، عبر بما هو حقيقة في الدوام نهارا وإن كان المراد هنا مطلق الدوام : (ظَلَ) أي دام وجه (مُسْوَدًّا) أي شديد السواد لما يجد من الكراهة الموصلة إلى الحنق بهذه البشارة التي أبانت التجربة عن أنها قد تكون سارة (وَهُوَ كَظِيمٌ) أي حابس نفسه على ما ملىء من الكرب فكيف يأنف عاقل من شيء ويرضاه لعبده فضلا عن مكافيه فضلا عن سيده ـ هذا ما لا يرضى عاقل أن يمر بفكره فضلا عن أن يتفوه به.

ولما كان الملك لا يأخذ في جنده إلا من يصلح للجندية بالمجالدة والمجادلة أو بإحداهما ، نبه على إنكار آخر بأن الإناث لا يصلحن لشيء من هذين الوصفين ، فقال معبدا لإنكار الثالث تنبيها على أنه بالغ جدا في إثارة الغضب : (أَوَمَنْ) أي اتخذ من لا يرضونه لأنفسهم ... لنفسه مع أنفتهم منه واتخذ من (يُنَشَّؤُا) أي على ما جرت به عوائدكم على قراءة الجماعة ، ومن تنشؤونه وتحلونه بجهدكم على قراءة ضم الباء وتشديد الشين (فِي الْحِلْيَةِ) أي في الزينة فيكون كلا على أبيه لا يصلح لحرب ولا معالجة طعن ولا ضرب (وَهُوَ) أي والحال أنه ، وقدم لإفادة الاهتمام قوله : (فِي الْخِصامِ) إذا احتيج إليه (غَيْرُ مُبِينٍ) أي لا يحصل منه إبانة مطلقة كاملة لما يريده لنقصان العقل وضعف الرأي بتدافع الحظوظ والشهوات وتمكن السعة ، فلا دفاع عنده بيد ولا لسان.

(وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣))

ولما كان ربما ظن أن المحذور إنما هو جعلهم عليهم‌السلام إناثا بقيد النسبة إليه سبحانه ، نبه على أن ذلك قبيح في نفسه مطلقا لدلالته على احتقارهم وانتقاصهم فهو كفر ثالث إلى الكفرين قبله : نسبة الولد إليه سبحانه ثم جعل أخص النوعين ، فقال :

١٥

(وَجَعَلُوا) أي مجترئين على ما لا ينبغي لعاقل فعله (الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ) متصفون بأشرف الأوصاف أنهم (عِبادُ الرَّحْمنِ) العام النعمة الذي خلقهم فهم بعض من يتعبد له وهم عباده وحقيقة لأنهم ما عصوه طرفة عين ، فهم أهل لأن يكونوا على أكمل الأحوال ، وقراءة «عند» بالنون شديدة المناداة عليهم بالسفه ، وذلك أن أهل حضرة الملك الذين يصرفهم في المهمات لا يكونون إلا على أكمل الأحوال وعنديته أنهم لم يعصوه قط وهم في محل مقدس عن المعاصي مشرف بالطاعات وأهل الاصطفاء ، وذكر المفعول الثاني للجعل الذي بمعنى التعبير الاعتقادي والقول فقال : (إِناثاً) وذلك أدنى الأوصاف خلقا وخلقا ذاتا وصفة ، ثم دل على كذبهم في هذا المطلق ليدل على كذبهم في المقيد من باب الأولى فقال تهكما بهم وتوبيخا لهم وإنكارا عليهم إظهارا لفساد عقولهم بأن دعاويهم مجردة عن الأدلة : (أَشَهِدُوا) أي حضروا حضورا هم فيه على تمام الخبرة ظاهرا وباطنا ـ هذا هو معنى قراءة الجماعة ، وأدخل نافع همزة التوبيخ على أخرى مضمومة لبناء الفعل للمفعول تنبيها على عجزهم عن شهود ذلك إلا بمن يشهدهم إياه ، وهو الخالق لا غيره ، ومدها في إحدى الروايتين زيادة في المادة عليهم بالفضيحة ، وسهل الثانية بينها وبين الواو إشارة إلى انحطاط أمرهم وسفول آرائهم وأفعالهم ، وجميع تقلباتهم وأحوالهم كما سيكشف عنه الزمان ونوازل الحدثان (خَلْقَهُمْ) أي مطلق الخلق في أصله أو عند الولادة أو بعدها على حال من الأحوال حضورا أوجب لهم تحقق ما قالوا بأن لم يغيبوا عن شيء من الأحوال الدالة على ذلك أعم من أن تكون تلك الشهادة حسية بنظر العين أو معنوية بعلم ضروري أو استدلالي بعقل أو سمع.

ولما كان الجواب قطعا : لا ، قال مهددا لهم مؤكدا لتهديدهم بالسين لظنهم أن لا بعث ولا حساب ولا حشر ولا نشر فقال : (سَتُكْتَبُ) بكتابة من وكلناهم بهم من الحفظة الذين لا يعصوننا فنحن نقدرهم على جميع ما نأمرهم به ـ هذا على قراءة الجماعة بالتاء والبناء للمفعول ، وعظم الكتابة تفخيما للوعيد وإكبارا لما اشتمل عليه من التهديد في قراءة النون المفيدة للعظمة والبناء للفاعل ونصب الشهادة (شَهادَتُهُمْ) أي قولهم فيهم أنهم إناث الذي لا ينبغي أن يكون إلا بعد تمام المشاهدة ، فهو قول ركيك سخيف ضعيف ـ بما أشار إليه التأنيث في قراءة الجماعة (وَيُسْئَلُونَ) عنها عند الرجوع إلينا ، ويجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ولا علم لهم به ، فإنه قد روى أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل ، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا ، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب

١٦

الشمال : دعه سبع ساعات ، لعله يسبح الله أو يستغفر» (١) رواه الشعبي والبغوي من طريقه والطبراني والبيهقي من طريق جعفر عن القاسم عن أبي أمامة والبيهقي من رواية بشر بن نمير (٢) عن القاسم نحوه وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه من طريق إسماعيل بن عياش عن عاصم بن رجاء عن عروة بن رويم عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه ، وروى الحاكم وقال : صحيح الإسناد عن أم عصمة العوصية رضي الله تعالى عنها قال : ما من مسلم يعمل ذنبا إلا وقف الملك ثلاث ساعات ، فإن استغفر من ذنبه لم يوقعه عليه ولم يعذب يوم القيامة (٣).

ولما ذكر أنهم يسألون بطريق الأولى عن العبادة ، نبه على أنهم عبدوهم مع ادعاء الأنوثة فيهم ، فقال معجبا منهم في ذلك وفي جعل قولهم حجة دالة على صحة مذهبهم وهو من أوهى الشبه : (وَقالُوا) أي بعد عبادتهم لهم ونهيهم عن عبادة غير الله : (لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ) أي الذي له عموم الرحمة (ما عَبَدْناهُمْ) لأن عموم الرحمة يمنع الإقرار على ما لا ينبغي ولكنه لم يشأ عدم عبادتنا لهم فعبدناهم طوع مشيئته ، فعبادتنا لهم حق ، ولو لا أنها حق يرضاه لنا لعجل لنا العقوبة.

ولما كان كأنه قيل : بماذا يجابون عن هذا ، قال منبها على جوابهم بقوله دالا على أن أصول الدين لا يتكلم فيها إلا بقاطع : (ما لَهُمْ بِذلِكَ) أي بهذا المعنى البعيد عن الصواب الذي قصدوا جعله دليلا على حقية عبادتهم لهم وهو أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق ويرضاه ويأمر به ، ومن أن الملائكة إناث ، وأكد الاستغراق بقوله : (مِنْ عِلْمٍ) أي لأنه لو لزم هذا لكان وضعه بعموم الرحمة حينئذ اضطراريا لا اختياريا فيؤدي إلى نقص لا إلى كمال ، ولكان أيضا ذلك يؤدي إلى إيجاب أن يكون الناس كلهم مرضيا عنهم لكونهم على حق ، وذلك مؤد بلا ريب إلى كون النقيضين معا حقا ، وهو بديهي الاستحالة.

ولما كان العلم قد ينتفي والمعلوم ثابت في نفسه قال نافيا لذلك : (إِنْ هُمْ) أي

__________________

(١) أخرجه الطبراني في الكبير ٧٧٦٥ و ٧٧٨٧ وفي مسند الشاميين ٥٢٦ و ٤٦٨ وأبو نعيم ٦ / ١٢٤ والبيهقي في الشعب ٧٠٥١ من حديث أبي أمامة وإسناده ضعيف.

(٢) وبشر بن نمير قال البخاري مضطرب وقال ابن معين : ليس بثقة وقال ابن حنبل : ترك الناس حديثة انظر الميزان. للذهبي ١ / ٣٢٥ ـ ٣٢٦.

(٣) أخرجه الحاكم ٤ / ٢٦٢ والطبراني في الكبير كما في المجمع ١٧٥٧٨ من حديث أم عصمة قال الهيثمي : أبو مهدي متروك ا ه. والعجب قال الحاكم : صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي مع أن فيه سعيد بن سنان أبو مهدي وهو متروك كما في الميزان.

١٧

ما هم (إِلَّا يَخْرُصُونَ) أي يكذبون في هذه النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على رضى الله سبحانه لكفرهم فإنها مبنية على أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق ، والذي جرأهم على ذلك أنهم يجددون على الدوام القول بغير تثبت ولا تحر ، فكان أكثر قولهم كذبا ، فصاروا لذلك يجترئون على تعمد القول للظن الذي لا يأمن صاحبه من الوقوع في صريح ، وسيأتي تمام إبطال هذه الشبهة بقوله تعالى (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) وأن ذلك هو المراد لا ما طال الخبط فيه لإهمال في السوابق واللواحق الموجبة لسوق المقال ، مطابقا لمقتضى الحال ، وقد جهلوا في هذا الكلام عدة جهالات : ادعاء الولدية للغني المطلق ، وكون الولد أدنى الصنفين ، وعبادتهم لهم مع أنفسهم منهم بغير دليل ، واحتياجهم على صحة فعلهم بتقدير علم على ذلك وهو قد نهاهم عنه بلسان كل رسول ، وظنهم أنه لا يشاء إلا ما هو الحق المؤدي إلى الجمع بين النقيضين إذ لا ريب فيه ولا خفاء به.

ولما كان الإيمان بالملائكة الذين هم جند الملك من دعائم أصول الدين ، وكان الإيمان بالشيء إن لم يكن على ما هو عليه الشيء ولو بأدنى الوجوه كان مختلا ، وأخبر سبحانه أنهم وصفوهم بغير ما هم عليه ففرطوا بوصفهم بالبنات حتى أنزلوهم إلى الحضيض وأفرطوا بالعبادة حتى أعلوهم عن قدرهم فانسلخوا في كلا الأمرين من صريح العقل بما أشار إليه ما مضى ، أتبع ذلك أنهم عريئون (١) أيضا من صحيح النقل ، فقال معادلا لقوله (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) إنكارا عليهم بعد إنكار ، موجبا ذلك أعظم العار ، لافتا القول عن الوصف بالرحمة تنبيها بمظهر العظمة على أن حكمه تعالى متى برز لم يسع سامعه إلا الوقوف عنده والامتثال على كل حال وإلا حل به أعظم النكال : (أَمْ آتَيْناهُمْ) بما لنا من العظمة (كِتاباً) أي جامعا لما يريدون اعتقاده من أقوالهم هذه (مِنْ قَبْلِهِ) أي القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلناهم إناثا وأنا لا نشاء إلا ما هو حق نرضاه ونأمر به (فَهُمْ) أي فتسبب عن هذا الإيتاء أنهم (بِهِ) أي وحده (مُسْتَمْسِكُونَ) أي موجدون الاستمساك به وطالبون للثبات عليه في عبادة غير الله ، وفي أن ذلك حق لكونه لم يعاجلهم بالعقوبة ، وفي وصفهم الملائكة بالأنوثة ، وفي غير ذلك من كل ما يرتكبونه باطلا ، والإنكار يقتضي نفي ما دخل عليه من إيتاء الكتاب كما انتفى إشهاده لهم خلقهم ، وهذه المعادلة التي لا يشك فيها من له بصر بالكلام تدل على صحة كون الإشارة في (ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ) شاملة لدعواهم الأنوثة في الملائكة.

__________________

(١) أي عريّون. يقال : كلام عار عن الصحة : أي غير صحيح.

١٨

ولما كان الجواب قطعا عن هذين الاستفهامين : ليس لهم ذلك على مطلق ما قالوا ولا مقيده من صريح عقل ولا صحيح نقل إلى من يصح النقل عنه من أهل العلم بالأخبار الإلهية ، نسق عليه قوله إرشادا إليه : (بَلْ قالُوا) أي في جوابهم عن قول ذلك واعتقاده مؤكدين إظهارا جهلا أو تجاهلا لأن ذلك لم يعب عليهم إلا لظن أنه لا سلف لهم أصلا فيه ، فإذا ثبت أنه عمن تقدمهم انفصل النزاع : (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا) أي وهم أرجح منا عقولا وأصبح أفهاما (عَلى أُمَّةٍ) أي طريقة عظيمة يحق لها أن تقصد وتؤم مثل رحلة بمعنى شيء هو أهل لأن يرحل إليه ، وكذا قدوة ونحوه ، وقراءة الكسر معناها حالة حسنة يحق لها أن تؤم (وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ) أي خاصة لا على غيرها ونحن في غاية الاجتهاد والقص للآثار وإن لم نجد عينا نتحققها.

ولما علم ذلك من حالهم ، ولم يكن صريحا في الدلالة على الهداية ، بينوا الجار والمجرور ، وأخبروا بعد الإخبار واستنتجوا منه قولهم استئنافا لجواب من سأل : (مُهْتَدُونَ) أي نحن ، فإذا ثبت بهذا الكلام المؤكد أنا ما أتينا بشيء من عند أنفسنا ولا غلطنا في الاتباع واقتفاء الآثار ، فلا اعتراض علينا بوجه ، هذا قوله في الدين بل في أصوله التي من ضل في شيء منها هلك ، ولو ظهر لأحد منهم خلل في سعي أبيه الدنيوي الذي به يحصل الدينار والدرهم ما اقتدى به أصلا وخالفه أي مخالفة ، ما هذا إلا لمحض الهوى وقصور النظر ، وجعل محطه الأمر الدنيوي الحاضر ، لا نفوذ لهم في المعاني بوجه.

ولما كان ترك المدعو للدليل واتباعه للهوى غائظا موجعا ومنكئا مولما ، قال يسليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم عاطفا على قوله : (وَكَذلِكَ) أي ومثل هذا الفعل المتناهي في البشاعة فعلت الأمم الماضية مع إخوانك الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ؛ ثم فسر ذلك بقوله : (ما أَرْسَلْنا) مع ما لنا من العظمة.

ولما كانت مقالة قريش قد تقدمت والمراد التسلية بغيرهم ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاتم النبيين فلا أمة لغيره في زمانه ولا بعده يسليه بها ، سلاه بمن مضى ، وقدم ذكر القبلية اهتماما بالتسلية وتخليصا لها من أن يتوهم أنه يكون معه في زمانه أو بعده نذير ، وإفهاما لأن المجدد لشريعته إنما يكون مغيثا لأمته وبشيرا لا نذيرا لثباتهم على الدين بتصديقهم جميع النبيين فقال تعالى : (مِنْ قَبْلِكَ) أي في الأزمنة السالفة حتى القريبة منك جدا ، فإن التسلية بالأقرب أعظم ، وأثبت الجار لأن الإرسال بالفعل لم يعم جميع الأزمنة ، وأسقط هذه القبلية في «سبأ» لأن المراد فيها التعميم لأنه لم يتقدم لقريش ذكر حتى يخص من قبلهم. ولما كان أهل القرى أقرب إلى العقل وأولى بالحكمة والحكم ، قال :

١٩

(فِي قَرْيَةٍ) وأعرق في النفي بقوله : (مِنْ نَذِيرٍ) وبين به أن موضع الكراهة والخلاف الإنذار على مخالفة الأهواء (إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها) أي أهل الترفه بالضم وهي النعمة والطعام الطيب والشيء الطريق يكون خاصة بالمترف ، وذلك موجب للقلة وهو موجب للراحة والبطالة الصارف عن جهد الاجتهاد إلى سفالة التقليد ، وهو موجب لركون الهواء ولو بان الدليل ، وهو موجب للبغي والإصرار عليه واللجاجة فيه والتجبر والطغيان ، ومعظم الناس في الأغلب أتباع لهؤلاء : (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا) أي وهم أعرف منا بالأمور (عَلى أُمَّةٍ) أي أمر جامع يستحق أن يقصد ويؤم وطريقة ودين ، وأكدوا قطعا لرجاء المخالف من لفتهم عن ذلك (وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ) لا غيرها ، ثم بينوا الجار والمجرور وأخبروا خبرا ثانيا واستأنفوا لإتمام مرادهم قولهم إيضاحا لأن سبب القص القدوة : (مُقْتَدُونَ) أي مستنون أي راكبون سنن طريقهم لازمون له لأنهم مقتدون لأن تقدم عليهم ، وحالنا أطيب ما يكون في الاستقامة وأقرب وأسرع.

(قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨))

ولما كان كأنه قيل : فقال كل نذير : فما أصنع؟ أجاب بقوله : (قالَ) أي يا أيها النذير ـ هذا على قراءة الجماعة ، وعلى قراءة ابن عامر وحفص وعاصم يكون التقدير أن السامع قال : فما قال النذير في جوابهم؟ فأجيب بقوله : قال إنكارا عليهم : (أَوَلَوْ) أي أتقتدون بآبائكم على كل حال وتعدونهم مهتدين ولو (جِئْتُكُمْ) والضمير فيه للنذير ، وفي قراءة أبي جعفر : أو لو جئتكم للنذر كلهم (بِأَهْدى) أي أمر أعظم في الهداية وأوضح في الدلالة (مِمَّا وَجَدْتُمْ) أي أيها المقتدون بالآباء (عَلَيْهِ آباءَكُمْ) كما تضمن قولكم أنكم تقتفون في اتباعهم بالآثار في أعظم الأشياء ، وهو الدين الذي الخسارة فيه خسارة للنفس وأنتم تخالفونهم في أمر الدنيا إذا وجدتم طريقا أهدى من التصرف فيها من طريقهم ولو بأمر يسير ، ويفتخر أحدكم بأنه أدرك من ذلك ما لم يدرك أبوه فحصل من المال أكثر مما حصل ، فيا له من نظر ما أقصره ، ومتجر ما أخسره.

ولما كان من المعلوم أن النذر قالوا لهم ما أمروا به؟ فتشوف السامع إلى جوابهم لهم ، أجيب بقوله : (قالُوا) مؤكدين ردا لما قطع به كل عاقل سمع هذا الكلام من أنهم يبادرون النظر في الدليل والرجوع إلى سواء السبيل : (إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) أي أيها

٢٠