أحمد بن محمد النيسابوري
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: الآستانة الرضويّة المقدّسة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٢٠
ترجمة المؤلف
(قال ابن خلكان) هو أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد بن ابراهيم الميداني النيسابوري الاديب كان أديبا فاضلا عارفا باللغة اختص بصحبة أبي الحسن الواحدي صاحب التفسير ثم قرأ على غيره وأتقن فن العربية خصوصا اللغة وأمثال العرب وله فيها التصانيف المفيدة منها كتاب مجمع الامثال المنسوب اليه ولم يعلم مثله في بابه وكتاب السامي في الاسامي وهو جيد في بابه وكان قد سمع الحديث ورواه وكان ينشد كثيرا وأظنهما له
|
تنفس صبح الشيب في ليل عارضى |
|
فقلت عساه يكتفى بعذارى |
|
فلما فشا عاتبته فاّجانبى |
|
اياهل ترى صبحا بغير نهار |
(وتوقي) يوم الاربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثماني عشرة وخمسمائة بنيسابور ودفن على باب الميدان زياد والميداني بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعد الالف نون هذه النسبة الى الميدان زياد بن عبد الرحمن وهي محلة في نيسابور وابنه أبو سعد سعيد بن أحمد كان أيضا فاضلا دينا وله كتاب الأسماء في الأسماء وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة رحمهالله تعالي اهـ (قال السيوطى) في طبقات النحاة ان الزمخشرى ووقف ععلى كتاب مجمع الأمثال للميداني فحسده عليه فزاد في لفظة الميداني نونا قبل الميم فصار النميداني ومعناه بالفارسية الذى لا يعرف شيأ فعمد الميداني الى بعض كتب الزمخشرى فجعل الميم نونا فصار الزنخشرى ومعناه بائع زوجته اهـ (وفي كشف الظنون) بعد أن نقل ما قاله السيوطى قال المولى الحناقى كانه ظن أن شرى تورية من الشرى ولا يخفى ان الخاء المعجمة حينئذ تبقى في البين بلا معنى ولا وجه والظاهر أن التنكيت من زن خشرى وخشرى في استعمال العجم بمعنى المرأة غير الجيدة لان خشر يستعملونه بمعني الطائفة المجتمعة من الاوباش فالمرأة المنسوبة اليها غير صالحة ويحكي ان الزمخشرى بعد ما ألف المستقصى في الامثال وقع له مجمع الأمثال للميداني
فأطال نظرة فيه وأعجبه جدا ويقال انه ندم على تأليفه المستقصى لكونهدون مجمع الأمثال في حسن التأليف والوضع وبسط العبارة وكثرة الفوائد اه من خطه واختصره شهاب الدين محمد بن أحمد القضاعى والامام الفاضل أبو يعقوب يوسف بن طاهر الخوبى من تلاميذ الميداني وأوله الحمد الله رافع السموات العلا الخ ونظمه بعض فضلا. الدولة العثمانية ووافق فراغه عام تسع وسبعين وألف والجنود العثمانية محاصرون قلعة قندية من جزيرة اقريطش وأول النظم
|
نحمد من علمنا الامثالا |
|
يسوقها في قوله تعالى |
|
ظاهرة ظاهرة من نبوه |
|
زاهرة كجنة من ربوه |
(انتهي)
بسم الله الرَحمنِ الرَحيم
إن أحسن ما يُوَشَّحُ به صَدْرُ الكلام ، وأجملَ ما يفصَّل به عِقْدُ النِّظام ، حَمْدُ الله ذي الجلال والإكرام ، والإفضال والإنعام ، ثم الصلاة على خير الأنام ، المبتَعثِ من عُنْصُر الكرام ، وعلى آلِهِ أعلامِ الإسلام ، وأصحابِهِ مصابيحِ الظلام ، فالحمد لله الذي بدأ خَلْقَ الإنسان من طين ، وجَعَله ذا غَوْرٍ بعيد وشَأوٍ بَطِين ، يستنبط الكامِنَ من بديع صَنْعته بذكاء فِطْنَته ، ويستخرج الغامضَ من جَليل فِطْرته بدقيق فِكْرته ، غائصا في بحر تصرُّفه على دررِ مَعَان ، أحْسَنَ من أيام مُحْسن معان ، وأبْهَجَ من نيل أمان ، في ظل صحةٍ وأمان ، مودِعاً إياها أصْدَافَ ألفاظٍ ، أخْلَبَ للقلوب من غمزات ألحاظ ، وأسْحَرَ للعقول من فَتَرات أجفانٍ نواعسَ أيْقَاظ ، ناظما من محاسنها عُقُودَ أمثال ، يحكم أنها عَديمةُ أشْبَاهٍ وأمثال ، تتحلّى بفرائدها صدورُ المحافل والمحاضر ، وتتسلَّى بشواردها قلوبُ البادي والحاضر ، وتُقَيَّد أَوَابِدُها في بطون الدفاتر والصحائف ، وتطير نواهضُها في رءوس الشواهق وظهور التنَائِف ، فهي تُوَاكبُ الرياحَ النُّكْبَ في مَدَارجِ مهابِّهَا ، وتُزَاحم الأراقمَ الرُّقْشَ في مضايق مَدَابِّها ، وتحوج الخطيبَ المِصْقَع والشاعر المُفْلِقَ إلى إدماجها وإدراجها ، في أثناء متصرِّفاتها وأدراجها ، لاشتمالها على أساليب الحسن والجمال ، واستيلائها في الْجَوْدَة على أمَدِ الكمال ، وكفاها جلالَةَ قدر ، وفَخَامة فخر ، أنَّ كتاب الله عز وجل وهو أشرفُ الكتب ، التي أنزلت على العجم والعرب لم يَعْرَ من وشاحها المفصل ترائبُ طِواله ومُفَصَّله ، ولا من تاجها المُرَصَّعِ مفارقُ مجمله ومُفَصَّله ، وأن كلام نبيه صلىاللهعليهوسلم وهو أفصح العرب لسانا ، وأكملهم بيانا ، وأرْجَحُهم في إيضاح القول ميزانا لم يَخْلُ في إيراده وإصداره ، وتبشيره وإنذاره ، من مَثَل يحوز قَصَبَ السَّبْق في حَلْبة الإيجاز ، ويستولي على أمَدِ الْحُسْن في صَنْعَة الإعجاز ، أما الكتابُ فقد وُجد فيه هذا النهج لَحِباً مسلوكا ، حيث قال عز من قائل : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا) وقال : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً) يعني كلمة التوحيد (كشجرة طيبة) يعني النخلَةَ (أصلها ثابت وفرعها في السماء) شَبَّه ثَبَاتَ الإيمان في قلب المؤمن بثَبَاتها ، وشَبَّهَ صُعُود عمله
إلى السماء ، بارتفاع فروعها في الهواء ، ثم قال تعالى (تؤتي أكُلَهَا كلَّ حينٍ) فشبه ما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل زمان ، بما ينال من ثمرتها كل حين وأوان ، وأمثالُ هذه الأمثال في التنزيل كثير ، وهذا الذي ذكَرْتُ عن طَويلها قصير ، وأما الكلام النبوي من هذا الفن فقد صنف العسكريُّ فيه كتابا براسه ، ولم يأل جَهْداً في تمهيد قواعده وأساسه ، وأنا أقتصر ههنا على حديث صحيح وقَعَ لنا عاليا ، وهو ما أخبرنا الشيخ أبو منصور بن أبي بكر الْجَوْزِي أنبأنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم ، أنبأنا أبو طاهر محمد بن الحسن ، أنبأنا أبو البحتري أنبأنا أبو أسامة ، أنبأنا يزيد بن أبي بُرْدَةَ عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : إنما مَثَلُ الجليسِ الصالِح وجليسِ السوء كحامل المِسْكِ ونافخُ الكِيرِ ، فحاملُ المسكِ إما أن يُحْذِيَكَ (أحذاه يحذيه : أعطاه) وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبا ، ونافخُ الكِيرِ إما أن يحرق ثيابك وإما أن تَجِدَ منه ريحا خبيثة رواه البخاري عن أبي كريب عن أبي أسامة ، فكأن شيخ شيخي سمعه من البخاري. وبعد ، فإن من المعلوم أن الأدب سُلَّم إلى معرفة العلوم ، به يُتَوَصَّل إلى الوقوف عليها ، ومنه يتوقَّع الوصولُ إليها ، غير أن له مَسَالكَ ومَدَارج ، ولتحصيله مَرَاقِيَ ومَعَارج ، من رَقِيَ فيها درَجاً بعد درج ، ولم تهمّ شمسُ تشميره بِعَرَج ، ظفِرَتْ يَدَاه بمفاتح أغلاقه ، وملكت كفاه نفائس أعْلاَقه ، ومن أخطأ مِرْقَاةً من مَرَاقيه ، بقي في كد الكَدْحِ غيرَ مُلاَقيه ، وإنَّ أعلى تلك المراقي وأقصاها ، وأوْعَرَ هاتيك المسالك وأعصاها ، هذه الأمثالُ التي هي لُمَاظَاتُ حَرَشَةِ الضِّبَاب ، ونُفَاثات حَلَبة اللِّقَاح وحَمَلَة العِلاَب ، من كل مرتضعٍ دَرَّ الفصاحة يافعا ووليدا ، مرتكضٍ في حجر الذَّلاَقة توأما ووَحيدا ، قد ورد مَنَاهل الفطنة يَنْبوُعا فينبوعا ، ونزف مناقع الحكمة لَدُوداً ونَشُوعا ، فنطق بما يُسِرُّ المعبِّر عنها حبوا في ارتقاء (هكذا وقع في جميع المطبوعات ، وأراه محرفا عن حسوا في ارتغاء وهو مأخوذ من المثل يسر حسوا في ارتغاء وسيأتي في حرف الياء مشروحا) والمشير إليها يمشي في خَمَر ويدبُّ في ضَراء ، ولهذا السبب خفيَ أثرُها ، وظهر أقلُّها وبطن أكثرها ، ومن حَامَ حول حِمَاها ، ورام قَطْفَ جَنَاها ، علم أن دون الوصول إليها خَرْطَ القَتَاد ، وأن لا وقوف عليها إلا للكامل العَتَاد ، كالسَّلَف الماضِينَ الذين نظموا من شَمْلها ما تشتَّت ، وجمعوا من أمرها ما تفرَّق ، فلم يبقوا في قوس الإحسان مَنْزعا ، ولا في كِنانة الإتقان والإيقان أهْزَعا ، والناس اليوم كالمجمِعِين على تقاصُرِ رغباتهم ، وتقاعُدِ همَّاتهم ، عما جاوز حد الإيجاز ، وإن حرك في تلفيقه سلسلة الإعجاز ، إلا ما نشاهده من رغبةِ مَنْ عَمَرَ معالم العلم وأحياها ، وأوضَحَ مناهج الفضل وأبداها ، وهمةِ مَنْ تجمعت في فؤاده همم ملءُ فؤاد الزمان إحداها ، وهو الشيخ العميد الأجل السيد العالم ضياء
الدولة منتخب المُلْك شمس الْحَضْرة صفيُّ الملوك أبو علي محمد بن أرسلان ، أدام الله علوّه ، وكبَتَ حاسده وعدوّه ، فإنه الذي جَذَب بضَبْع الأدب من عَاثُوره ، وغالى بقيمة منظومه ومنثوره ، وأقبل عليه ، وعلى من يُرَفْرِفُ حواليه ، إقبالَ مَنْ ألقت خزائن الفضل إليه مقاليدها ، ووقفت مآثرُ المجد عليه أسانيدها ، فأبرز محاسن الآداب في أضْفَى ملابسها ، وبَوَّأها من الصُّدور أعلى منازلها ومجالسها ، بعد أن حَلَّقت بها العنقاء في بَنَاتِ طَمَار ، وتضاءلت كتضاؤل الحسناء في الأطْمَار ، فالحمدُ لله الذي جعل أيامه للحسن والإحسان صورة ، وعلى الفضل والإفضال مقصورة ، وجعلها موقوفَة الساعات ، على صنوف الطاعات ، محفوفَةَ الساحات ، بوفود السعادات ، موصوفة الحركات والسكنات ، بوفور البركات والحسنات ، حتى أصبحت حُلِيَّاً على لَبَّة الدولة الغراء ، وتاجا في قِمَّةِ الحضرة الشمَّاء ، وحِصْنا لملك الشرق حصينا ، ورُكْنا يؤوي إليه ركينا ، وأمست على معصمه ومعتصمه سورا وسِوَارا ، ولوَجْهِ دولته وحُسام سَطْوته غرةً وغِرارا ، يُسْتَمْطَر النُّجْحُ ببركات أيامه ، ويستودَعُ المللك حركات أقلامه ، فلله دره من عالم زرَّ بُرْدَاهُ على عالم ، وأمين بانتظام الملك ضمين ، ومُطَاع عند ذي الأمر مَكِين ، يزين بحضوره ديوان عماله ، ولا يشين بمحظوره ديوان أعماله ، فعل من تَنَبَّه له الجد ، فنظرت نفسه ما قدمت لغد ، وتمكَّن منه الجد ، فلا الدَّدُ منه ولا هو من دَد ، وعليه عينة من سيد جُمِعَ له إلى القُدْرة العصمة ، وإلى التواضع الرفعة والحِشْمة ، فرَفَلَ من السيادة في أغلى أثوابها ، وأتى بيوتَ المجدِ من أبوابها ، وباشَرَ أبكار المكارم فالتزمها واعْتَنَقها ، وباكر أقداح المحامد فاصطَحَبَها واغتَبَقَهَا ، فأصبح لا يَطْرَبُ إلا على معنى تكد له الأفهام ، دون مؤثر تأتي له الإيهام ، ولا يَعْشَق إلا بناتِ الخواطر والأفكار ، دون العذَارَى الخُرَّد الأبكار ، ولا يثافن إلا مَنْ أخلق جَدِيدَيْهِ ، حتى ملأ من الفضل بُرْدَيه ، وكَحَّلَ بإثمِدِ السهر جَفْنيه ، حتى أقرَّ بنيل القرب منه عينيه ، فتبوَّأ من حضرته المأنوسة جنة حُفَّتْ بالمكارم لا المكاره ، وروضةً خُصَّت بالمجد الزاهر لا بالأزاهر ، تنثال عليها أفراد الدهر من كل أوْب ، وتنصبُّ إليها آحاد العصر من كل صَوْب ، لا سَلَب الله أهل الأدب ظلَّه ، ولا بلغ هَدْىُ عمرِه مَحِلّه ، ما طَلَع نَجْم ، ونَجَم طَلْع ، بمنه وكرمه. هذا ، ولما تقدر ارتحالي عن سُدَّته ، عمرها الله بطول مُدَّته ، أشار بجَمْع كتاب في الأمثال ، مبرِّزٍ على ما لَه من الأمثال ، مشتمل على غَثِّها وسَمينها ، محتوٍ على جاهليها وإسلاميها ، فعُدت إلى وطني رَكْضَ المنزع شمره الغالي ، مشمراً عن ساق جِدِّي في امتثال أمره العالي ، فطالعت من كتب الأئمة الأعلام ، ما امتد في تقصِّيه نَفَسُ الأيام ، مثل كتاب أبي عُبَيدة وأبي عُبَيد ، والأصمعي وأبي زَيْد ، وأبي عَمْرو وأبي فَيْد ، ونظرتُ فيما جمعه المفضَّلُ بن محمد والمفضَّلُ بن سَلَمَةَ.
حتى لقد تصفحت أَكْثَرَ من خمسين كتاباً ، ونَخَلْتُ ما فيها فصلاً فصلاً وباباً باباً ، مفتشاً عن ضَوَالِّها زوايا البقاع ، مشذِّباً عنها أُبَنَهَا بصارِمِي القَطَّاع ، علماً مني أني أمَتُّ به الدينار في كف ناقد ، وأجلو منه البدر لطرف غير راقد ، يزيده بالنظر فيه رونقاً وبهاء ، ويكسبه بالإقبال عليه سَناً وسناء ، ونقلتُ ما في كتاب حمزة بن الحسن إلى هذا الكتاب ، إلا ما ذكره من خَرَزَات الرُّقَى وخُرَافات الأَعْرَاب ، والأمثال المزدوجة لاندماجها في تضاعيف الأبواب ، وجعلتُ الكتابَ على نظام حروف المعجم في أوائلها ، ليسهل طريق الطلب على مُتَنَاولها ، وذكرتُ في كل مَثَل من اللغة والإعراب ما يفتح الغَلَق ، ومن القَصَصِ والأسباب ما يوضِّح الغرض ويُسيغ الشَّرَق ، مما جمعه عُبَيْد بن شَرِيَّة وعطاء بن مصعب والشَّرقِيُّ بن القُطَامي وغيرهم ، فإذا قلت المفضل مطلقاً فهو ابنُ سَلَمة ، وإذا ذكرتُ الآخَرَ ذكرتُ اسمَ أبيه ، وأفتتح كل باب بما في كتاب أبي عُبَيد أو غيره ، ثم أعقبه بما على أَفْعَلَ من ذلك الباب ، ثم أمثال المولدين ، حتى آتي على الأبواب الثمانية والعشرين على هذا النَّسَق ، ولا أعدُّ حرفي التعريف ولا ألفَ الوصل والقطع والأمر والاستفهام ، ولا ألفَ المخبِرِ عن نفسه ، ولا ما ليس من أَصْلِ الكلمة حاجزاً إلا أن يكون قبل هذه الحروف ما يُلاَزم المَثَل ، نحو قولهم كالمستغيث من الرمضاء بالنار أو بعدها نحو المستشار مؤتمن والمحسن مُعَان فإني أورِدُ الأول في الكاف ، والثاني والثالث في الميم ، وأثبت الباقي على ما ورد ، نحو تَحْسَبُهَا حمقاء وبيدين ما أوردها زائدة يكتبان في بابي التاء والباء ، وجعلتُ الباب التاسع والعشرين في أسماء أيام العرب دون الوقائع ، فإن فيها كتباً جَمَّةَ البدائع. وإنما عُنِيتُ بأسمائها لكثرة ما يقع فيها من التصحيف ، وجعلت الباب الثلاثين في نُبَذٍ من كلام النبي صلىاللهعليهوسلم وكلام خُلَفَائه الراشدين ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، مما ينخرط في سِلْكِ المواعظ والحكم والآداب. وسميت الكتاب مجمع الأمثال لاحتوائه على عظيم ما وَرَدَ منها ، وهو ستة آلاف ونيف ، والله أعلم بما بقي منها ، فإن أنفاس الناس لا يأتي عليها الحصر ، ولا تَنْفَدُ حتى يَنْفَدَ العصر. وأنا أعتذر إلى الناظر في هذا الكتاب من خَلَل يَرَاه ، أو لفظ لا يرضاه ، فأنا كالمنكر لنفسه ، المغلوب على حِسِّه وحَدْسه ، منذ حط البياض بعارِضِي رحالَه ، وحال الزمانُ على سوادهما فأحَالَه ، وأطار من وَكْرِ هَامَتِي خُدَارِيَّه ، وأنحى على عُود الشَّباب فمصَّ رِيَّه ، وملكَتْ يدُ الضعفِ زمامَ قُوَاي ، وأسلمني مَنْ كان يَحْطِبُ في حبل هَوَاي. وكأني أنا المعنيُّ بقول الشاعر :
|
وَهَتْ عَزَمَاتُكَ عند المشِيبِ |
|
وما كان من حَقِّهَا أن تَهيَ |
|
وأنكَرْتَ نفسَكَ لما كَبِرْتَ |
|
فلا هِيَ أَنْتَ ولا أَنْتَ هِي |
|
وإن ذكرت شَهَوَاتُ النفوسِ |
|
فما تشتهي غيرَ أن تشتهى |
وأعيذه أن يَرِدَ صَفْوَ منهلِهِ التقاطا ، ويشرب عَذْب زُلاله نقاطا ، ثم يتحزَّم لتَغْوِير مَنَابعه بالتعيير ، ويتشمر لتكدر مَشَارِعه بالتغيير ، بل المأمولُ أن يسد خَللَه ، ويُصْلح زَلَله ، فقلما يخلو إنسان من نِسيان ، وقلم من طغيان.
وهذا فصل يشتمل على معنى المثل وما قيل فيه. قال المبرد : المثَلُ مأخوذ من المِثال ، وهو : قولٌ سائرٌ يُشَبَّه به حالُ الثاني بالأول ، والأصل فيه التَّشْبِيه ، فقولُهم مَثَلَ بَيْنَ يَدَيه إذا انتصب معناه أَشْبَهَ الصورةَ المنتصِبة ، وفلان أَمْثَلُ من فلان أي أَشْبَهُ بما لَه (من) الفضل. والمِثالُ القِصاصُ لتشبيه حالِ المقتَصِّ منه بحال الأول ، فحقيقة المَثَلِ ما جُعل كالعلم للتشبيه بحال الأوَّل ، كقول كعب ابن زهير :
|
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا |
|
وما مواعيدها الا الاباطيل |
فمواعيد عرقوب عَلَم لكل ما لا يصح من المواعيد. قال ابن السِّكِّيتِ : المَثَلُ : لَفْظٌ يخالفُ لفظَ المضروب له ، ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ ، شَبَّهُوه بالمثال الذي يُعْمَلُ عليه غيره. وقال غيرهما : سُمِّيت الحكَمُ القائمُ صدقُها في العقول أمثالا لانتصاب صُوَرِها في العقول ، مشتقَّة من المثُول الذي هو الانتصاب. وقال إبراهيم النظام : يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام : إيجاز اللفظ ، وإصابة المعنى ، وحُسْن التشبيه ، وجَوْدة الكناية ، فهو نهاية البلاغة. وقال ابن المقفع : إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق ، وآنَقَ للسمع ، وأَوْسَعَ لشُعُوب الحديث. قلت : أربعة أحرف سمع فيها فَعَلٌ وفِعْلٌ ، وهي مَثَلٌ ومِثْلٌ ، وَشَبَه وَشِبْه ، وَبَدَل وبِدْل ، ونكَل ونِكْل ، فمَثَلُ الشئ ومِثلُه وشَبَهه وشِبْهُه : ما يماثله ويشابهه قدراً وصفةً ، وبَدَل الشيء وبِدْلُه : غيره ، ورجل نَكَل ونِكْل للذي ينكل به أعداؤه. وفَعيل لغةٌ في ثلاثة من هذه الأربعة ، يقال : هذا مَثِيله وشَبِيهه وبَدِيله ، ولا يقال نكيله ، فالْمَثَلُ ما يُمَثَّلُ بِهِ الشيء : أي يُشّبَّه ، كالنَّكَل من يُنَكًّل به عدوّه ، غير أن المِثْلَ لا يوضع في موضع هذا المَثَل وإن كان المَثَلُ يوضع موضعه ، كما تقدم للفرق ، فصار المَثَل اسماً مصرحاً لهذا الذي يضرب ثم يردُّ إلى أصله الذي كان له من الصفة ، فيقال : مَثَلُكَ ومَثَلُ فلانٍ : أي صفتك وصفته ، ومنه قوله تعالى : (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي صفتها ، ولشدة امتزاج معنى الصفة به صح أن يقال : جعلتُ زيداً مثلا ، والقوم أمثالا ، ومنه قوله تعالى : (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ) جعل القوم أنفسهم مثلا في أحد القولين ، والله أعلم.
الباب الأول
فيما أوله همزة.
إنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً
قاله النبي صلىاللهعليهوسلم حين وَفَدَ عليه عَمْرو بن الأهتم والزِّبْرِقَانُ بن بدر وقَيْسُ بن عاصم ، فسأل عليه الصلاة والسلام عمرَو بن الأهتم عن الزِّبْرِقان ، فقال عمرو : مُطَاع في أَدْنَيْه (هكذا في جميع أصول هذا الكتاب ، والأدنون : جمع الأدنى بمعنى الأقرب ، ووقع في بعض الأمهات مطاع في أذينه والأذين بوزن الأمير النداء ، يعني أنه إذا نادى قومه لحرب أو نحوها أطاعوه) شدِيدُ العارِضة ، مانعٌ لما وَرَاء ظهره ، فقال الزبرقان : يا رسول الله إنه لَيَعْلَم مني أكثَرَ من هذا ، ولكنه حَسَدني ، فقال عمرو : أما والله إنه لَزَمِرُ المروءة ، ضَيّق العَطَن ، أحمق الوالد ، لئيم الخال ، والله يا رسول الله ما كَذَبْتُ في الأولى ، ولقد صدقْتُ في الأخرى ، ولكني رجل رَضِيت فقلت أحسنَ ما علمت ، وسَخِطْتُ فقلت أقبحَ ما وجدت ، فقال عليه الصلاة والسلام إنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً يعني أن بعض البيان يعمل عمل السحر ، ومعنى السحر : إظهار الباطل في صورة الحق ، والبيانُ : اجتماعُ الفصاحة والبلاغة وذكاء القلب مع اللسَنِ. وإنما شُبِّه بالسحر لحدَّة عمله في سامعه وسرعة قبول القلب له. يضرب في استحسان المنطق وإيراد الحجَّة البالغة.
إنَّ المُنْبَتَّ لاَ أرْضاً قَطَعَ وَلاَ ظَهْراً أبْقَى.
المنبتُّ : المنقطع عن أصحابه في السفَر ، والظَّهْرُ : الدابة. قاله عليه الصلاة والسلام لرجل اجتَهَد في العبادة حتى هَجَمت عيناه : أي غارَتَا ، فلما رآه قال له إنَّ هذَا الدينَ مَتِينٌ فأوْغِلْ فيه بِرِفْقٍ ، إنَّ المُنْبَتَّ أي الذي يجدُّ في سيره حتى ينبتَّ أخيراً ، سماه بما تؤول إليه عاقبتُه كقوله تعالى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ). يضرب لمن يُبالغ في طلب الشيء ، ويُفْرِط حتى ربما يُفَوِّته على نفسه.
إنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطاً أوْ يُلِمُّ.
قاله عليه الصلاة والسلام في صفة الدنيا والحثِّ على قلة الأخذ منها. والْحَبَطُ : انتفاخُ البطن ، وهو أن تأكل الإبلُ الذُّرَقَ فتنتفخ بطونها إذا أكثرت منه ، ونصب حَبَطاً على التمييز ، وقوله أو يلم معناه يقتل أو يَقْرُبُ من القتل ، والإلمام : النزولُ ، والإلمام : القرب ، ومنه الحديث في صفة أهل الجنة لولا أنه شيء قضاه الله لألم أن يذهب بصرهُ لما يرى فيها أي
لقَرُبَ أن يذهب بصرهقال الأزهري : هذا الخبر يعني إن مما ينبت إذا بُتر لم يكد يُفْهَم ، وأوّلُ الحديث إني أخَافُ عليكم بعدي ما يُفْتَح عليكم من زَهْرة الدنيا وزينتها فقال رجل : أوَ يأتِي الخيرُ بالشرِّ يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام إنَّهُ لا يأتي الخيرُ بالشر ، وإن مما يُنْبِتُ الربيعُ ما يقتل حَبَطا أو يلم ، إلا آكلة الْخَضِرِ فإنها أكلَتْ حتى إذا امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَثَلطَتْ وَبَالَتْ ثم رَتَعَتْ (في جميع أصول هذا الكتاب ثم رتعته والفعل لازم) هذا تمام الحديث. قال : وفي هذا الحديث مثلان : أحدهما للمُفْرِطِ في جمع الدنيا وفي منعها من حقها ، والآخر للمقتصد في أخْذِها والانتفاع بها ، فأمّا قولُه وإن مما ينبت الربيعُ ما يقتل حَبَطاً أو يُلمُّ فهو مثل المُفْرِط الذي يأخذها بغير حق ، وذلك أن الربيعَ يُنْبِتُ أحْرَار العُشْب فتستكثر منها الماشية حتى تنتفخَ بطونُها إذا جاوزَتْ حدَّ الاحتمال ، فتنشق أمعاؤها وتهلك ، كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حِلِّها ويمنع ذا الحق حقَّه يهلك في الآخرة بدخوله النار. وأما مَثَلُ المتقصد فقوله صلىاللهعليهوسلم إلا آكلة الْخَضِر بما وصفها به ، وذلك أن الْخَضِرَ ليست من أحرار البقول التي يُنْبتها الربيع ، ولكنها من الْجَنْبَة التي ترعاها المواشي بعد هَيْج البقول ، فضرب صلىاللهعليهوسلم آكلةَ الخضِر من المواشي مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجَمْعها ، ولا يَحْمله الحرصُ على أخذها بغير حقها ، فهو ينجو من وَبَالها كما نَجَتْ آكلةُ الخضِر ، ألا تراه قال عليه الصلاة والسلام فإنها إذا أصابَتْ من الْخَضِرِ استقبلت عينَ الشمس فَثَلَطَتْ وبالت أراد أنها إذا شبعت منها بَرَكَتْ مستقبلةَ الشمس تستمرىء بذلك ما أكَلَتْ وتجترُّ وتَثْلِط ، فإذا ثَلَطته فقد زال عنها الْحَبَط ، وإنما تَحْبَطُ الماشيةُ لأنها لا تثلِطُ ولا تبول. يضرب في النهي عن الإفراط.
إنَّ الْمُوَصَّيْنَ بَنُو سَهْوَانٍَ.
هذا مثل تخبَّط في تفسيره كثيرٌ من الناس ، والصوابُ ما أثْبِتُهُ بعد أن أحكي ما قالواقال بعضهم : إنما يحتاج إلى الوصية من يَسْهو ويَغْفُل ، فأما أنت فغيرُ محتاج إليها ، لأنك لا تسهو. وقال بعضهم : يريد بقوله بنو سَهْوان جميعَ الناس ، لأن كلهم يسهو. والأصْوَبُ في معناه أن يقال : إن الذين يُوَصَّوْنَ بالشيء يستولِي عليهم السهوُ حتى كأنه مُوَكَّل بهم ، ويدل على صحة هذا المعنى ما أنشده ابن الأعرابيّ من قول الراجز
|
أنشد من خَوّارةٍ عِلْيَانْ |
|
مَضْبُورَة الكَاهِلِ كالبُنْيَانْ |
|
ألْقَتْ طَلاً بمُلْتَقَى الْحَوْمَانْ |
|
أكثر ما طافت به يَوْمَانْ |
|
لم يُلْهِهَا عن هَمِّها قَيْدَانْ |
|
ولا الموصَّوْنَ مِنَ الرُّعْيَانْ |
إن الموصَّيْنَ بنو سَهْوَانْ
يضرب لمن يسهو عن طلب شيء أمر به والسَّهْوان : السهو ، ويجوز أن يكون صفة : أي بنو رجُلٍ سَهْوَان ، وهو آدم عليهالسلام حين عُهِد إليه فسَهَا ونسى ، يقال : رجل سَهْوَانُ وسَاهٍ ، أي إن الذين يُوَصَّوْن لابِدْعَ أن يَسْهُوا لأنهم بنو آدم عليه السلام.
إنَّ الجوَادَ عَيْنُهُ فُرَارُهُ
الفِرار بالكسر : النظر إلى أسنان الدابة لتعرُّفِ قدر سِنِّها ، وهو مصدر ، ومنه قول الحجاج فُرِرْتُ عَنْ ذكاء ويروى فُرَاره بالضم ، وهو اسم منه. يضرب لمن يدلُّ ظاهره على باطنه فيغني عن اختباره ، حتى لقد يقال : إنَّ الخبيثَ عينه فُرَاره.
إنَّ الشَّقِيَّ وَافِدُ البَرَاجِمِ
قاله عمرو بن هند الملك ، وكان سُوَيْدُ ابن ربيعة التميمي قتلَ أخاه وهَرَب ، فأحرق به مائةً من تميم : تسعةً وتسعين من بني دارم وواحداً من البَرَاجم ، فلقِّبَ بالمحرِّقِ ، وستأتي القصة بتمامها في باب الصاد ، وكان الحارث بن عمرو ملك الشأم من آل جَفْنة يدعى أيضا بالمحرِّق ، لأنه أول من حَرَّق العرب في ديارهم ، ويدعى امرؤ القيس بن عمرو بن عَدِيٍّ الَّخْمِي محرِّقاً أيضا. يضرب لمن يُوقِع نفسه في هَلَكة طمعا.
إنَّ الرَّثيئَةَ تَفْثَأُ الغَضَبَ
الرثيئة : اللبنُ الحامض يُخْلَط بالحلو ، والفَثْء : التسكينُ. زعموا أن رجلا نزل بقوم وكان ساخِطاً عليهم ، وكان مع سخطه جائعا ، فسَقَوْهُ الرثيئة ، فسكن غضبه يضرب في الهَدِيَّة تُورِث الوِفَاقَ وإن قلَّت.
إنَّ البُغَاثَ بأَرْضِنَا يَسْتَنْسِرُ
البغاث : ضربٌ من الطير ، وفيه ثلاث لغات : الفتح ، والضم ، والكسر ، والجمع بِغْثَان ، قالوا : هو طير دون الرَخمة ، واستنسر : صار كالنسر في القوّة عند الصيد بعد أن كان من ضعاف الطيريضرب للضعيف يصير قويا ، وللذليل يعزّ بعد الذل.
إنَّ دَوَاءَ الشَّقِّ أنْ تَحُوصَهُ
الْحَوْصُ : الخياطةُ. يضرب في رَتْق الفَتْق وإطفاء النائرة
إنَّ الجبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
الحتفُ : الهلاك ، ولا يُبْنَى منه فِعل ، وخص هذه الجهة لأن التحرُّزَ مما ينزل من السماء غير ممكن ، يُشير إلى أن الحَتْفَ إلى الجَبَان أسرعُ منه إلى الشجاع ، لأنه يأتيه من حيث
لا مَدْفَع له. قال ابن الكلبي : أولُ من قاله عمرو (الشعر في اللسان منسوب لعامر ابن فهيرة) ابن أمامة في شعرٍ له ، وكانت مُرَادٌ قتلته ، فقال هذا الشعر عند ذلك ، وهو قوله :
|
لقد حسوت الموت قبل ذوقه |
|
ان الجبان حتفه من فوقه |
|
كل امرى مقاتل عن طوقه |
|
والثور يحمى أنفه بروقه |
يضرب في قلة نفع الحذر من القدروقوله حسوت الموت قبل ذَوْقِهِ الذوق : مقدمة الحَسْو ، فهو يقول : قد وطنّت نفسي على الموت ، فكأني بتوطين القلب عليه كمن لقيه صُرَاحا.
إنَّ المُعَافَى غَيْرُ مَخْدُوعٍ
يضرب لمن يُخْدَع فلا يَنْخَدع والمعنى أن مَنْ عوفي مما خدع به لم يَضُره ما كان خُودِع به. وأصلُ المثل أن رجلا من بني سُلَيم يسمى قادحا كان في زمن أمير يكنى أبا مظعون ، وكان في ذلك الزمن رجل آخر من بني سليم أيضا يقال له سُلَيْط ، وكان عَلِقَ امرأة قادح ، فلم يزل بها حتى أجابته وواعدته ، فأتى سُلَيْطٌ قادحاً وقال : إني علقت جارية لأبي مظعون ، وقد واعدتني ، فإذا دخلتَ عليه فاقْعُدْ معه في المجلس ، فإذا أراد القيامَ فاسبقه ، فإذا انتهيت إلى موضع كذا فاصفر حتى أعلم بمجيئكما فآخذ حَذَري ، ولك كل يوم دينار ، فخدعه بهذا ، وكان أبو مظعون آخر الناس قياما من النادي ففعل قادح ذلك ، وكان سُلَيْط يختلف إلى امرأته ، فجرى ذكر النساء يوما ، فذكر أبو مظعون جواريه وعَفَافهن ، فقال قادح وهو يعرض بأبي مظعون : ربما غُرّ الواثق ، وخُدِع الْوَامق ، وكذب الناطق ، ومَلَّتِ العاتق ، ثم قال :
|
لا تَنْطِقَنَّ بأمرٍ لا تَيَقَّنُهُ |
|
ياعمرو ، إنَّ المُعَافى غيرُ مخدوعِ |
وعمرو : اسم أبي مظعون ، فعلم عمرو أنه يعرّض به ، فلما تفرق القوم وثَب على قادح فخنقه وقال : اصدقني ، فحدثه قادح بالحديث ، فعرف أبو مظعون أن سُلَيطا قد خدَعه ، فأخذ عمرو بيد قادح ثم مر به على جَوَاريه فإذا هن مُقْبلات على ماوكلن به لم يفقِدْ منهن واحدةً ، ثم انطلق آخذا بيد قادح إلى منزله فوجد سُلَيطا قد افترش امرأته ، فقال له أبو مظعون : إن المعافى غير مخدوع ، تهكما بقادح ، فأخذ قادح السيفَ وشدَّ على سُلَيط ، فهرب فلم يدركه ، ومال إلى امرأته فقتلها.
إنَّ فيِ الشَّرِّ خِيَاراً
الخير : يجمع على الخِيار والأخيار ، وكذلك الشر يجمع على الشِّرَار والأشرار : أي أن في الشر أشياء خيارا. ومعنى المثل كما قيل بعض الشر أهون من بعض ، ويجوز أن يكون الخيار الاسم من الاختيار : أي في الشر ما يُخْتَار على غيره.
إنَّ الْحَديِدَ بالْحَدِيِدِ يُفْلَحُ
الفَلْح : الشَّقُّ ، ومنه الفلاَّح للحَرَّاث لأنه يشق الأرض : أي يُسْتعان في الأمر الشديد بما يشاكله ويقاويه.
|
إنَّ الْحَمَاةَ أُولِعَتْ بالْكَنَّهْ |
|
وَأُولِعَتْ كَنَّتُهَا بالظِّنَّهْ |
الحماة : أم زوج المرأة ، والكَنَّة : امرأة الابن وامرأة الأخ أيضاً ، والظنة : التهمة ، وبين الحماة والكنة عداوة مستحكمة يضرب في الشر يقع بين قوم هو أهلٌ لذلك.
إن للهِ جُنُوداً مِنْهَا العَسَلُ
قاله معاوية لما سمع أن الأشْتَر سُقِيَ عسلاً فيه سم فمات. يضرب عند الشَّماتة بما يصيب العدو.
إن الْهَوى لَيَمِيلُ بِاسْتِ الرَّاكِبِ
أي مَنْ هوى شيئاً مال به هواه نحوه ، كائناً ما كان ، قبيحاً كان أو جميلا ، كما قيل : إلى حيثُ يَهْوَى القَلْب تَهْوِي به الرجل ...
إنَّ الْجَوَادَ قَدْ يَعْثُرُ
يضرب لمن يكون الغالبُ عليه فعلَ الجميل ، ثم تكون منه الزَّلَّة.
إنَّ الشَّفِيقَ بِسُوءِ ظَنٍّ مُولَعُ
يضرب للمَعْنِيِّ بشأن صاحبه ، لأنه لا يكاد يظن به غير وقوع الحوادث ، كنحو ظُنُون الوالدات بالأولاد.
إنَّ المَعَاذيرَ يَشُوبُها الكَذِبُ
يقال : مَعْذِرة ومَعَاذِر ومَعَاذِير. يحكى أن رجلا اعتذر إلى إبراهيم النَّخَعي ، فقال إبراهيم : قد عذرتك غير معتذر ، إن المعاذير ، المثلَ.
إنَّ الْخَصَاصَ يُرَى فِي جَوْفِها الرَّقَمُ
الْخَصَاص : الفُرْجَة الصغيرة بين الشيئين. والرقَم : الداهية العظيمة ، يعني أن الشيء الحقير يكون فيه الشيء العظيم.
إنَّ الدَّوَاهِيَ في الآفاتِ تَهْتَرِس
ويروى ترتهس وهو قلبُ تهترس من الهَرْسِ ، وهو الدقّ ، يعني أن الآفات يموج
بعضها في بعض ويدق بعضها بعضاً كثرة. يضرب عند اشتداد الزمان واضطراب الفتن. وأصله أن رجلا مر بآخر وهو يقول : يا ربِّ إما مهرةً أو مهراً ، فأنكر عليه ذلك ، وقال : لا يكون الجنين إلا مهرةً أو مهراً ، فلما ظهر الجنين كان مُشَيَّأَ الْخَلْقِ مختلفه ، فقال الرجل عند ذلك :
|
قَدْ طَرَّقَتْ بجنينٍ نصفُهُ فَرَسٌ |
|
إن الدواهِيَ في الآفاتِ تهترس |
إنَّ عَلَيْكَ جُرَشْاً فَتَعَشَّه
يقال : مضى جُرْشٌ من الليل ، وجَوْش : أي هزيع. قلت : وقوله فتعشه يجوز أن تكون الهاء للسكت ، مثل قوله تعالى : (لَمْ يَتَسَنَّهْ) في أحد القولين ، ويجوز أن تكون عائدة إلى الْجَرْش على تقدير : فتعشَّ فيه ، ثم حذف في وأَوْصَلَ الفعلَ إليه ، كقول الشاعر :
|
ويَوْمٍ شَهدْنَاهُ سُلَيْماً وَعَامِراً |
|
قَلِيلٌ سِوَى الْطعنِ الدِّرَاكِ نَوَافِلُهْ |
أي شهدنا فيه. يضرب لمن يؤمر بالاتّئاد والرفق في أمرٍ يبادره ، فيقال له : إنه لم يَفُتْكَ ، وعليك ليل بعدُ ، فلا تعجل. قال أبو الدقيش : إن الناس كانوا يأكلون النسناس ، وهو خَلْقٌ لكل منهم يدٌ ورجل ، فرعى اثنان منهم ليلا ، فقال أحدهما لصاحبه : فَضَحك الصبحُ ، فقال الآخر : إن عليك جَرْشاً فتعشَّهْ. قال : وبلغني أن قوما تبعوا أحد النسناس فأخذوه فقال للذين أخذاه :
|
يارُبَّ يَوْمٍ لَوْ تَبِعْتُمَانِي |
|
لمتُّمَا أَوْ لَتَركْتُمَانِي |
فأدرِكَ فذُبح في أصل شجرة فإذا في بطنه شَحْم ، فقال آخر من الشجرة : إنه آكِلُ ضَرْوٍ ، فقال الثالث : فأنا إذن صُمَيْمِيت ، فاستنزل فذبح.
إنَّ وَرَاءَ الأكَمةِ مَا وَرَاءَهَا
أصله أن أَمَةً واعدت صديقها أن تأتيه وراء الأكمة إذا فرغَت من مهنة أهلها ليلا ، فشغلوها عن الإنجاز بما يأمرونها من العمل ، فقالت حين غلبها الشوقُ : حبستموني وإن وراء الأكَمَة ما وراءها. يضرب لمن يُفْشِي على نفسه أَمْرَاً مستوراً.
إنَّ خَصْلَتَينِ خَيْرُهُما الكَذِبُ لَخَصْلَتَا سُوءٍ
يضرب للرجل يعتذر من شيء فَعَله بالكذب. يحكى هذا المثل عن عمر بن عبد العزيز رحمهالله تعالى ، وهذا كقولهم : عذرُهُ أَشَدُّ من جُرْمِه.
إنَّ مَنْ لا يَعْرِفُ الوَحْيَ أحْمَقُ
ويروى الْوَحَى مكان الوَحْيِ. يضرب لمن لا يَعْرف الإيماء والتعريضَ حتى يجاهر بما يراد إليه.
إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ
هذا من كلام عِمْرَان بن حصين. والمعاريض : جمع الْمِعْرَاض ، يقال : عرفتُ ذلك في معراض كلامه ، أي فَحْوَاه. قلت : أجود من هذا أن يقال : التعريض ضدُّ التصريح ، وهو أن يُلْغِزَ كلامه عن الظاهر ، فكلامه مَعْرض ، والمعاريض جمعه. ثم لك أن تثبت الياء وتحذفها ، والْمَندُحة : السَّعَة ، وكذلك النُّدْحَة ، يقال : إن في كذا نُدْحَةً : أي سَعَة وفُسْحة. يضرب لمن يحسب أنه مضطر إلى الكذب
إنَّ الْمَقْدِرَةَ تُذْهِبُ الْحفِيظَةَ
المَقْدِرة (ذكر لغتين وترك ثالثة ، وهي بفتح الميم وسكون القاف ودالها مثلثة) والمَقْدُرة : القدرة ، والحفيظة : الغضب. قال أبو عبيد : بلغنا هذا المثلُ عن رجل عظيم من قريش في سالف الدهر كان يطلب رجلا بِذَحْلٍ (الذحل بفتح الذال وسكون الحاء الثأر) فلما ظفر به قال : لولا أن المقدرة تذهب الحفيظة لانتقمت منك ، ثم تركه.
إنَّ السَّلاَمَةَ مِنْهَا تَرْكُ ما فيها
قيل : إن المثل في أمر اللَقطة توجَد ، وقيل : إنه في ذم الدنيا والحثِّ على تركها ، وهذا في بيت أولهُ :
|
والنفسُ تَكْلَفُ بالدنيا وقد علمت |
|
أنَّ السلامة منها تَرْكُ ما فيها |
إنَّ سِوُادَها قَوَّمَ لِي عِنَادَهَا
السِّواد : السِّرار ، وأصله من السَّواد الذي هو الشخص ، وذلك أن السِّرار لا يحصل إلا بقرب السواد من السواد ، وقيل لابنة الْخُسِّ وكانت قد فَجَرت : ما حملكِ على ما فعلتِ؟ قالت : قُرْبُ الوِسَاد وطُولُ السِّواد. وزاد فيه بعضُ المُجَّان : وحُبُّ السِّفَاد.
إنَّ الهَوَان لِلَّئيمِ مَرْأمَة
المَرْأَمة : الرِّئْمَانُ ، وهما الرأفة والعطف. يعني إذا أكرمْتَ اللئيم استخفَّ بك ، وإذا أهنته فكأنك أكرمته ، كما قال أبو الطيب :
|
إذا أَنْتَ أكرمْتَ الكريمَ ملكتَهُ |
|
وإنْ أَنْتَ أكرمْتَ اللئيمَ تمرَّدَا |
|
ووَضْعُ النَّدَى في مَوْضِع السيفِ بالعُلاَ |
|
مُضِرّ كوضعِ السيف في موضع النَّدَى |
|
إنَّ بَنِيَّ صِبْيَةٌ صَيْفِيُّونْ |
|
أفْلَحَ مَنْ كانَ لَهُ رِبْعِيُّونْ |
يضرب في التندم على ما فات. يقال : أَصَافَ الرجلُ ، إذا وُلد له على كبر سنه ، وولده صَيْفيون ، وأَرْبَعَ الرجل إذا وُلد له في فَتَاء سنه ، وولدُهُ رِبْعِيُّون ، وأصلُها مستعار من
نِتاج الإبل ، وذلك أن رِبْعِيَّة النِّتَاج أولاه ، وَصَيْفيته أخراه ، فاستعير لأولاد الرجل. يقال : أول من قال ذلك سعد بن مالك بن ضُبَيعة ، وذلك أنه ولد له على كبر السن ، فنظر إلى أولاد أَخَوَيْه عمرو وعَوْف ، وهم رجال ، فقال البيتين ، وقيل : بل قاله معاوية ابن قُشَيْر ، ويتقدمهما قولهُ :
|
لَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الداريُّونْ |
|
أَهْلُ الْجِبَابِ البُدَّنُ المَكْفِيُّونْ |
|
سَوْفَ تَرَى إن لَحِقُوا ما يُبْلُونْ |
|
إنَّ بَنِيَّ صِبْيَةٌ صَيْفِيُّونْ |
وكان قد غزا اليمن بولدهِ فقُتِلوا ونجا وانصرف ولم يبق من أولاده إلا الأصاغر ، فبعث أخوه سَلَمَةُ الخير أولاده إليه ، فقال لهم : اجلسوا إلى عمكم وحَدِّثوه ليسلو ، فنظر معاوية إليهم وهم كبار وأولاده صغار ، فساءه ذلك ، وكان عَيُوناً فردَّهم إلى أبيهم مخافة عينه عليهم وقال هذه الأبيات. وحكى أبو عبيد أنه تمثل به سليمانُ بن عبد الملك عند موته ، وكان أراد أن يجعل الخلافة في ولده فلم يكن له يومئذ منهم مَنْ يصلح لذلك إلا مَنْ كان من أولاد الإماء ، وكانوا لا يَعْقِدُون إلا لأبناء المَهَائر. قال الجاحظ : كان بنو أمية يرون أن ذهاب ملكهم يكون على يد ابن أم ولد ، ولذلك قال شاعرهم :
|
ألم تَرَ للخلاَفَةِ كَيْفَ ضَاعَتْ |
|
بأن جُعِلَتْ لأبْناء الإمَاءِ |
إنَّ الْعَصَا مِنَ الْعُصَيَّةِ
قال أبو عبيد : هكذا قال الأصمعي ، وأنا أحسبه العُصَية من العَصَا ، إلا أن يُرَاد أن الشيء الجليلَ يكون في بَدْء أمره صغيرا ، كما قالوا : إن القَرْم من الأفِيل ، فيجوز حينئذ على هذا المعنى أن يقال : العَصَا من العُصَية. قال المفضل : أول من قال ذلك الأفْعَى الْجُرْهُمي ، وذلك أن نِزَاراً لما حَضْرَتْه الوفاة جَمَع بنيه مضر وإيادا وربيعة وأنمارا ، فقال : يا بني ، هذه القبة الحمراء وكانت من أدَم لمضر ، وهذا الفرس الأدهم والخِباء الأسود لربيعة ، وهذه الخادم وكانت شَمْطَاء لإياد ، وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه ، فإن أشكل عليكم كيف تقتسمون فائتوا الأفعى الجرهمي ، ومنزلُه بنَجْرَان. فتشاجروا في ميراثه ، فتوجَّهُوا إلى الأفعى الجرهمي ، فبيناهم في مسيرهم إليه إذ رأى مُضَر أثَرَ كلأ قد رُعِىَ فقال : إن البعير الذي رَعَى هذا لأعْوَر ، قال ربيعة : إنه لأزْوَرُ ، قال إياد : إنه لأبتَرُ (الأزور : الذي اعوج صدره أو أشرف أحد جانبي صدره على الآخر ، والأبتر : المقطوع الذنب) قال أنمار : إنه لَشَرُود ، فساروا قليلا فإذا هم برجل يَنْشُد جَمَله ، فسألهم عن البعير ، فقال مضر : أهو أعور؟ قال : نعم ، قال ربيعة : أهو أزور؟ قال : نعم ، قال إياد : أهو أبتر؟ قال : نعم ، قال أنمار : أهو شَرُود؟ قال : نعم ، وهذه والله صفة بعيري فدُلوني عليه ، قالوا : والله ما رأيناه ، قال : هذا والله الكذبُ. وتَعَلَّق بهم
وقال : كيف أصَدِّقكم وأنتم تَصِفون بعيري بصفته؟ فساروا حتى قَدِموا نَجْران ، فلما نزلوا نادى صاحبُ البعير : هؤلاء أَخَذوا جَمَلي ووصَفوا لي صفته ثم قالوا : لم نَرَهُ ، فاختصموا إلى الأفْعَى ، وهو حَكَم العرب فقال الأفعى : كيف وصفتموه ولم تَرَوْه؟ قال مضر : رأيته رَعَى جانبا وتَرَك جانبا فعلمتُ أنه أعور ، وقال ربيعة : رأيت إحدى يديه ثابتة الأثَر والأخرى فاسدته ، فعلمت أنه أَزْوَر ، لأنه أفسَده بشدةِ وَطُئه لازوراره ، وقال إياد : عرفت أنه أبتر باجتماع بَعَره ، ولو كان ذَيَّالا لَمَصَع به ، وقال أنمار : عرفت أنه شَرُود لأنه كان يرعى في المكان الملفتِّ نَبْتُه ثم يَجُوزُه إلى مكان أرقَّ منه وأخبثَ نَبْتاً فعلمت أنه شَرُود ، فقال للرجل : ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ، ثم سألهم : مَنْ أنتم؟ فأخبروه ، فرحَّب بهم ، ثم أخبروه بما جاء بهم ، فقال : أتحتاجون إليَّ وأنتم كما أرى؟ ثم أنزلهم فَذَبَحَ لهم شاة ، وأتاهم بخَمْر : وجلس لهم الأفعى حيث لا يُرَى وهو يسمع كلامهم ، فقال ربيعة : لم أَرَ كاليوم لحماً أطيبَ منه لولا أن شاته غُذِيت بلبن كلبة! فقال مضر : لم أر كاليوم خمراً أطيَبَ منه لولا أن حُبْلَتَها نبتت على قَبر ، فقال إياد : لم أر كاليوم رجلا أسْرَى منه لولا أنه ليس لأبيه الذي يُدْعَى له! فقال أنمار : لم أر كاليوم كلاما أَنْفَعَ في حاجتنا من كلامنا ، وكان كلامُهم بأذُنِهِ ، فقال : ما هؤلاء إلا شياطين ثم دعا القَهْرَمَان فقال : ما هذه الخمر؟ وما أمرها؟ قال : هي من حُبْلَة غرستُها على قبر أبيك لم يكن عندنا شرابٌ أطيبُ من شرابها ، وقال للراعي : ما أمر هذه الشاة؟ قال : هي عَنَاق أرضَعْتُها بلبن كلبة ، وذلك أن أمها كانت قد ماتت ولم يكن في الغنم شاة ولدت غيرها ، ثم أتى أمه فسألها عن أبيه ، فأخبرته أنها كانت تحت ملك كثير المال ، وكان لا يولد له ، قالت : فخفتُ أن يموت ولا ولد له فيذهب الملك ، فأمكنت من نفسي ابنَ عم له كان نازلا عليه ، فخرج الأفعى إليهم ، فقصَّ القومُ عليه قصتهم وأخبروه بما أوصى به أبوهم ، فقال : ما أشْبَهَ القبة الحمراء من مال فهو لمضر ، فذهب بالدنانير والإبل الحمر ، فسمى مضر الحمراء لذلك ، وقال : وأما صاحب الفرس الأدهم والخِباء الأسود فله كل شيء أسود ، فصارت لربيعة الخيلُ الدُّهْمُ ، فقيل ربيعة الفرس وما أشبه الخادمَ الشمطاء فهو لإياد ، فصار له الماشية البُلْقُ من الحَبَلَّقِ والنَّقَدِ (الحبلق : غنم صغار لا تكبر ، والنقد : جنس من الغنم قبيح الشكل) ، فسمى إياد الشَّمْطَاء وقضى لأنمار بالدراهم وبما فَضَل فسمى أنمار الفضل فصَدَروا من عنده على ذلك ، فقال الأفعى : إن العصا من العُصَية ، وإن خُشَيْناً من أخْشَن ، ومُسَاعدة الخاطل تعد من الباطل ، فأرسلهن مُثُلاً ، وخُشَيْن وأخشن : جَبَلاَن أحدهما أصغر من الآخر ، والخاطل : الجاهل ، والْخَطَل في الكلام : اضطرابه ، والعُصَيَّة : تصغير تكبير مثل أنا عُذَيْقُها المرَجَّبُ وجُذَيْلُها المُحَكَّكُ والمراد
أنهم يشبهون أباهم في جَوْدة الرأي ، وقيل : إن العصا اسم فرس ، والعُصَيَّة اسم أمه ، يراد أنه يحكي الأم في كَرَم العِرْق وشرف العِتْق.
إنَّ الكَذُوبَ قَدْ يَصْدُقُ
قال أبو عبيد : هذا المثل يضرب للرجل تكون الإساءة الغالبةَ عليه ، ثم تكون منه الهَنَةُ من الإحسان.
إنَّ تَحْتَ طِرِّيقَتِكَ لَعِنْدَأْوَةً
الطِّرَقُ : الضعف والاسترخاء ، ورجل مَطْروق : فيه رخوة وضعف ، قال ابن أحمر :
|
ولا تَصِلِي بمَطْرُوقٍ إذا ما |
|
سَرَى في القوم أصبح مستكينا |
ومصدره الطِّرِّيقة بالتشديد. والعِنْدَأوَة : فِعْلأَوة من عَنَد يَعْنُد عُنُوداً إذا عَدَل عن الصواب ، أو عَنَدَ يَعْنِدُ إذا خالف وردَّ الحق. ومعنى المثل أن في لينه وانقياده أحياناً بعضَ العسر.
إنَّ الْبَلاَءَ مُوَكَّلٌ بالمَنْطِقِ
قال المفضل : يقال : إن أول من قال ذلك أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فيما ذكره ابن عباس ، قال : حدثني علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لما أمِرَ رسولُ الله صلىاللهعليهوسلم أن يَعْرِضَ نفسَه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر ، فَدُفِعْنَا إلى مجلسٍ من مجالس العرب ، فتقدم أبو بكر وكان نَسَّابة فسَلَّم فردُّوا عليه السلام ، فقال : ممن القوم؟ قالوا : من ربيعة ، فقال : أمِنْ هامتها أم من لَهَازمها؟ قالوا : من هامتها العظمى ، قال : فأيُّ هامتها العظمى أنتم؟ قالوا : ذُهْلٌ الأكبر ، قال : أفمنكم عَوْف الذي يقال له لاَحُرّ بِوَادِي عَوْف؟ قالوا : لا ، قال : أفمنكم بِسْطَام ذُو اللَّواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا : لا؟ قال : أفمنكم جَسَّاس بن مُرَّةَ حامي الذِّمار ومانِعُ الجار؟ قالوا : لا ، قال : أفمنكم الحَوْفَزَان قاتل الملوك وسالبها أنفَسها؟ قالوا : لا ، قال : أفمنكم المزدَلف صاحب العِمَامة الفَرْدة؟ قالوا : لا ، قال : أفأنتم أخوال الملوك من كِنْدَة؟ قالوا : لا ، قال : فلستم ذُهْلا الأكبر ، أنتم ذهل الأصغر ، فقام إليه غلام قد بَقَلَ وَجْههُ يقال له دغفل ، فقال :
|
إنَّ عَلَى سِائِلِناَ أنْ نَسْأَلَه |
|
وَالْعِبْءُ لاَ تَعْرِفُهُ أوْ تَحْمِلَهُ |
يا هذا ، إنك قد سألتنا فلم نكتمك شيئاً فمن الرجل أنت؟ قال : رجل من قريش ، قال : بخ بخ أهل الشرف والرياسة ، فمن أي قرش أنت؟ قال : من تَيْم بن مُرَّة ، قال : أمْكَنْتَ والله الرامي من صفاء الثغرة ، أفمنكم قُصَيّ بن كلاب الذي جَمَعَ القبائل من فِهْر وكان يُدْعَى
مُجَمِّعاُ؟ قال : لا ، قال : أفمنكم هاشم الذي هَشَم الثريدَ لقومه ورجالُ مكة مُسْنتُونَ عِجَاف؟ قال : لا ، قال : أفمنكم شَيْبَةُ الحمدِ مُطْعم طير السماء الذي كأن في وجهه قمراً يضيء ليل الظلام الداجي؟ قال : لا ، قال : أفمن المُفِيضينَ بالناس أنت؟ قال : لا ، قال : أفمن أهل النَّدْوَة أنت؟ قال : لا ، قال : أفمن أهل الرِّفادة أنت؟ قال : لا ، قال : أفمن أهل الحِجَابة أنت؟ قال : لا ، قال : أفمن أهل السِّقَاية أنت؟ قال : لا ، قال : واجتذبَ أبو بكر زِمام ناقته فرجع إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فقال دغفل : صادَفَ دَرأ السيل دَرْأً يصدعُهُ ، أما والله لو نبتَّ لأخبرتك أنك من زَمَعَات قريش أو ما أنا بدغفل ، قال ، : فتبسَّم رسولُ الله صلىاللهعليهوسلم ، قال علي : قلت لأبي بكر : لقد وقَعْتَ من الأعرابي على باقِعَةٍ ، قال : أجَلْ إن لكل طامة طامة ، وإن البلاء مُوَكَّل بالمنطق.
إنَّما سُمِّيتَ هَانِئاً لِتَهْنَأ
يقال : هَنَأْتُ الرجل أهْنَؤُه وأهْنِئهُ هَنأْ إذا أعطيته ، والاسم الهِنْء بالكسر وهو العطاء : أي سميت بهذا الاسم لتُفْضِلَ على الناس ، قال الكسائي : لتهنأ أي لتَعُولَ ، وقال الأموي : لتَهْنِئَ أي لِتُمْرِئَ
إنَّهُ لَنِقَابٌ
يعني به العالم بمُعْضِلات الأمور ، قال أوس بن حجر : جَوَادٌ كَرِيمٌ أخُو مَاقِطٍ نِقَابٌ يحدث بالغائبويروى عن الشعبي أنه دخل على الحجاج بن يوسف فسأله عن فريضة من الجد فأخبره باختلاف الصحابة فيها ، حتى ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، فقال الحجاج : إن كان ابنُ عباس لَنِقَاباً.
إنَّهُ لَعِضٌّ
أي دَاهٍ ، قال القطامي :
|
أحَادِيث مِنْ أنْباء عَادٍ وَجُرْهُم |
|
يُثَوِّرُهَا العِضَّانِ زَيْدٌ وَدغْفلُ |
يعني زيد بن الكيس (في القاموس : زيد بن الحارث) النمري ودغفلا الذهلي ، وكانا عالمي العرب بالأنساب الغامضة والأنباء الخفية.
إنَّهُ لوَاهًا مِنَ الرِّجَالِ
يروى واها بغير تنوين : أي أنه محمودُ الأخلاق كريم ، يعنون أنه أهل لأن يقال له هذه الكلمة ، وهي كلمة تعجب وتلذذ ، قال أبو النجم : واهاً لريَّا ثمَّ وَاهاً وَاهاَ ويروى وَاهاً بالتنوين ، ويقال للئيم : إنه لغَيْرُ وَاها.