بحار الأنوار

العلامة المجلسي

بحار الأنوار

المؤلف:

العلامة المجلسي


الموضوع : الحديث وعلومه
الناشر: مؤسسة الوفاء
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٢٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠ الجزء ٢١ الجزء ٢٢ الجزء ٢٣ الجزء ٢٤ الجزء ٢٥ الجزء ٢٦ الجزء ٢٧ الجزء ٢٨ الجزء ٢٩ الجزء ٣٠ الجزء ٣١ الجزء ٣٥ الجزء ٣٦ الجزء ٣٧ الجزء ٣٨ الجزء ٣٩ الجزء ٤٠ الجزء ٤١ الجزء ٤٢ الجزء ٤٣ الجزء ٤٤ الجزء ٤٥ الجزء ٤٦ الجزء ٤٧ الجزء ٤٨ الجزء ٤٩ الجزء ٥٠ الجزء ٥١ الجزء ٥٢ الجزء ٥٣ الجزء ٥٤ الجزء ٥٥ الجزء ٥٦ الجزء ٥٧ الجزء ٥٨ الجزء ٥٩ الجزء ٦٠ الجزء ٦١   الجزء ٦٢ الجزء ٦٣ الجزء ٦٤ الجزء ٦٥ الجزء ٦٦ الجزء ٦٧ الجزء ٦٨ الجزء ٦٩ الجزء ٧٠ الجزء ٧١ الجزء ٧٢ الجزء ٧٣ الجزء ٧٤ الجزء ٧٥ الجزء ٧٦ الجزء ٧٧ الجزء ٧٨ الجزء ٧٩ الجزء ٨٠ الجزء ٨١ الجزء ٨٢ الجزء ٨٣ الجزء ٨٤ الجزء ٨٥ الجزء ٨٦ الجزء ٨٧ الجزء ٨٨ الجزء ٨٩ الجزء ٩٠ الجزء ٩١ الجزء ٩٢ الجزء ٩٣ الجزء ٩٤   الجزء ٩٥ الجزء ٩٦   الجزء ٩٧ الجزء ٩٨ الجزء ٩٩ الجزء ١٠٠ الجزء ١٠١ الجزء ١٠٢ الجزء ١٠٣ الجزء ١٠٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحيمِ

( أبواب تأويل الايات ) * ( والاخبار الموهمة لخلاف ما سبق ) *

( باب ١ )

* ( تأويل قوله تعالى : خلقت بيدى ، وجنب الله ، ووجه الله ، ) * ( ويوم يكشف عن ساق ؛ وأمثالها )

١ ـ فس : محمّد بن أحمد بن ثابت ، عن القاسم بن إسماعيل الهاشميّ ، عن محمّد بن سيّار ، عن الحسين بن المختار ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : لو أنَّ الله خلق الخلق كلّهم بيده لم يحتجَّ في آدم أنّه خلقه بيده فيقول : « ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ » أفترى الله يبعث الأشياء بيده ؟ .

بيان : لعلّ المراد أنّه لو كان الله تعالى جسماً يزاول الأشياء ويعالجها بيده لم يكن ذلك مختصّاً بآدم عليه‌السلام ، بل هو تعالى منزّه عن ذلك ، وهو كناية عن كمال العناية بشأنه كما سيأتي .

٢ ـ يد ، مع : ابن عصام ، عن الكلينيّ ، عن العلّان ، عن اليقطينيّ قال : سألت أبا الحسن عليّ بن محمّد العسكريّ عليهما‌السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : « وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » فقال : ذلك تعيير الله تبارك وتعالى لمن شبّهه بخلقه ، ألا ترى أنّه قال : « وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » ومعناه إذ قالوا : إنَّ الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويّات بيمينه ، كما قال عزّ وجلَّ : « وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » إذ قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء ، ثمَّ نزّه عزَّ وجلَّ نفسه عن القبضة واليمين فقال : « سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ » .

١
 &

بيان : هذا وجه حسن لم يتعرّض له المفسّرون ، وقوله تعالى : « وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » متّصل بقوله « وَالْأَرْضُ جَمِيعًا » فيكون على تأويله عليه‌السلام القول مقدَّرا أي ما عظّموا الله حقّ تعظيمه وقد قالوا : إنّ الأرض جميعاً ؛ ويؤيّده أنَّ العامّة رووا أنّ يهوديّاً أتى النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وذكر نحواً من ذلك فضحك صلى‌الله‌عليه‌وآله .

٣ ـ يد : أحمد بن الهيثم العجليّ ، عن ابن زكريّا القطّان ، عن ابن حبيب ، عن ابن بهلول ، عن أبيه ، عن أبي الحسن العبديّ ، عن سليمان بن مهران قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن قول الله عزَّ وجلّ : « وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » فقال : يعني ملكه لا يملكها معه أحد . والقبض من الله تعالى في موضع آخر : المنع ، والبسط منه : الإعطاء والتوسيع كما قال عزّ وجلّ : « وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » يعني يعطي ويوسّع ويمنع و يضيّق . والقبض منه عزّ وجلّ في وجه آخر : الأخذ في وجه القبول منه كما قال : « وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ » أي يقبلها من أهلها ويثيب عليها . قلت : فقوله عزّ وجلّ : « وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » قال : اليمين : اليد ، واليد : القدرة والقوّة ، يقول عزّ وجلّ : والسموات مطويّات بقدرته وقوّته ، سبحانه وتعالى عمّا يشركون .

بيان : قال الشيخ الطبرسيّ رحمه الله : القبضة في اللّغة : ما قبضت عليه بجميع كفّك أخبر الله سبحانه عن كمال قدرته فذكر أنّ الأرض كلّها مع عظمها في مقدوره كالشيء الّذي يقبض عليه القابض بكفّه فيكون في قبضته ، وهذا تفهيم لنا على عادة التخاطب فيما بيننا لأنّا نقول : هذا في قبضة فلان وفي يد فلان إذا هان عليه التصرّف فيه وإن لم يقبض عليه ، وكذا قوله : « وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » أي يطويها بقدرته كما يطوي أحد منّا الشيء المقدور له طيّه بيمينه ، وذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار والتحقيق للملك ، كما قال : « أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ » أي ما كانت تحت قدرتكم إذ ليس الملك يختصّ باليمين دون الشمال وسائر الجسد ، وقيل : معناه انّها محفوظات مصونات بقوّته واليمين : القوّة . (١)

____________________

(١) قال الرضي رضوان الله عليه في تلخيص البيان : وهاتان استعارتان ، ومعنى « قبضنا » ههنا أي ملك له خالص قد ارتفعت عنه أيدي المالكين من بريته والمتصرفين فيه من خليفته ، وقدورت تعالى عباده ما =

٢
 &

٤ ـ يد ، ن : الهمدانيّ ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن الهرويّ قال : قلت لعليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام : يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الّذي يرويه أهل الحديث : إنّ المؤمنين يزورون ربّهم من منازلهم في الجنّة ؟ فقال عليه‌السلام : يا أبا الصلت إنّ الله تبارك وتعالى فضّل نبيّه محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله على جميع خلقه من النبيّين والملائكة ، وجعل طاعته طاعته ، و مبايعته مبايعته ، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته ، فقال عزّ وجلّ : « مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ » وقال : « إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ » وقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله . ودرجة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في الجنّة أرفع الدرجات ، فمن زاره إلی درجته في الجنّة من منزلته فقد زارالله تبارك وتعالى .

قال : فقلت له : يا ابن رسول الله فما معنى الخبر الّذي رووه أنّ ثواب لا إله إلّا الله النظر إلى وجه الله ؟ فقال عليه‌السلام : يا أبا الصلت من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر ، ولكن وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم ، هم الّذين بهم يتوجّه إلی الله عزَّ وجلَّ ، وإلى دينه ومعرفته ؛ وقال الله عزّ وجلّ : « كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ » وقال عزّ وجلّ « كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » فالنظر إلى أنبياء الله ورسله وحججه عليهم‌السلام في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة ؛ وقد قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : من أبغض أهل بيتي وعترتي

____________________

= كان ملّكهم في دار الدنيا من ذلك ، فلم يبق ملك إلا انتقل ، ولا مالك إلا بطل . وقيل أيضاً : معنى ذلك أن الارض في مقدوره كالذي يقبض عليه القابض ويستولى عليه كفه ، ويحوزه ملكه ، ولا يشاركه فيه غيره . ومعنى قوله : « وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » أي مجموعات في ملكه ومضمونات بقدرته ، و اليمين ههنا بمعنى الملك ، يقول القائل : هذا ملك يميني ، وليس يريد اليمين التي هي الجارحة ، وقد يعبرون عن القوة أيضاً باليمين ، فيجوز على هذا التأويل أن يكون معنى قوله : « مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » أي يجمع أقطارها ويطوى انتشارها بقوته ، كما قال سبحانه : « يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ » وقيل : لليمين ههنا وجه آخر ، وهو أن يكون بمعنى القسم ، لانه تعالى لما قال في سورة الانبياء : « يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ » كان التزامه تعالى فعل ما أوجبه على نفسه بهذا الوعد ، كأنه قسم أقسم به ليفعلن ذلك ، فأخبر سبحانه في هذا الموضع من السورة الاخرى « وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » أي بذلك الوعد الذي ألزمه نفسه تعالى وجرى مجرى القسم الذي لا بد أن يقع الوفاء به ، والخروج منه . والاعتماد على القولين المتقدمين أولى .

٣
 &

لم يرني ولم أره يوم القيامة ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ فيكم من لا يراني بعد أن يفارقني ، يا أبا الصلت إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان ولا يدرك بالأبصار والأوهام .

قال : فقلت له : يا ابن رسول الله فأخبرني عن الجنّة والنار أهما اليوم مخلوقتان ؟ فقال : نعم ، وإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد دخل الجنّة ورأى النار لمّا عرج به إلى السماء . قال : فقلت له : إنّ قوماً يقولون إنّهما اليوم مقدّرتان غير مخلوقتين . فقال عليه‌السلام : ما اُولئك منّا ولا نحن منهم ، من أنكر خلق الجنّة والنار فقد كذّب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وكذّبنا ، وليس من ولايتنا على شيء ، ويخلّد في نار جهنّم ، قال الله عزّ وجلّ : « هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ » وقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : لمّا عرج بي إلی السماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنّة فناولني من رطبها فأكلته فتحوّل ذلك نطفة في صلبي ، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، ففاطمة حوراء إنسيّة فكلّما اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت رائحة ابنتي فاطمة . (١)

٥ ـ يد ، مع : الدقّاق ، عن الأسديّ ، عن البرمكيّ ، عن الحسين بن الحسن ، عن بكر ، عن أبي عبد الله البرقيّ ، عن عبد الله بن يحيى ، عن أبي أيّوب الخزّاز ، عن محمّد ابن مسلم قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام فقلت : قوله عزّ وجلّ : « يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » فقال : اليد في كلام العرب : القوّة والنعمة ، قال الله : « وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ » وقال : « وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ » أي بقوّة ، وقال : « وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ » أي قوّاهم ، ويقال : لفلان عندي أيادي كثيرة أي فواضل وإحسان ، وله عندي يدٌ بيضاء أي نعمة .

بيان : يظهر منه أنّ التأييد مشتقّ من اليد بمعنى القوّة كما يظهر من كلام الجوهريّ أيضاً .

٦ ـ يد ، مع : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن محمّد بن عيسى ، عن المشرقيّ ، عن عبد الله بن قيس ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال : سمعته يقول : بل يداه مبسوطتان . فقلت له : يدان هكذا ؟ ـ وأشرت بيديَّ إلى يديه ـ فقال : لا لو كان هكذا لكان مخلوقاً .

____________________

(١) أخرج الحديث مقطّعاً عن التوحيد والعيون والامالي والاحتجاج في باب نفي الرؤية تحت رقم ٦ .

٤
 &

بيان : غلّ اليد وبسطها كناية عن البخل والجود ، وثني اليد مبالغة في الردّ ونفي البخل عنه ، وإثبات لغاية الجود ، فإنَّ غاية ما يبذله السخيّ من ماله أن يعطيه بيديه ، أو للإشارة إلى منح الدنيا والآخرة ، أو ما يعطى للاستدراج وما يعطى للإكرام أو للإشارة إلى لطفه وقهره .

٧ ـ فس : « كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ » قال : دين ربّك . وقال عليّ بن الحسين عليهما‌السلام : نحن الوجه الّذي يؤتى الله منه .

٨ ـ يد ، مع : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن ابن بزيع ، عن منصور بن يونس ، عن جليس لأبي حمزة ، عن أبي حمزة قال : قلت لأبي جعفر عليه‌السلام قول الله عزَّ و جلَّ : « كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » قال : فيهلك كلُّ شيء ، ويبقی الوجه إنّ الله عزَّ وجلَّ أعظم من أن يوصف بالوجه ، ولكن معناه : كلّ شيء هالك إِلّا دينه ، والوجه الّذي يؤتى منه .

ير : ابن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن منصور مثله .

ير : أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن منصور ، عن أبي حمزة مثله .

٩ ـ ير : أحمد ، عن الحسين ، عن بعض أصحابنا ، عن ابن عميرة ، عن ابن المغيرة قال : كنّا عند أبي عبد الله عليه‌السلام فسأله رجل عن قول الله : « كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » قال : ما يقولون فيه ؟ قلت : يقولون : يهلك كلّ شيء إلّا وجهه ؛ فقال : يهلك كلّ شيء إلا وجهه الّذي يؤتى منه ، ونحن وجه الله الّذي يؤتى منه .

١٠ ـ يد ، مع : ابن المتوكّل ، عن السعدآباديّ ، عن البرقيّ ، عن أبيه ، عن ربيع الورّاق ، عن صالح بن سهل ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قول الله عزَّ وجلَّ : « كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » قال : نحن .

١١ ـ يد : ماجيلويه ، عن محمّد العطّار ، عن سهل ، عن البزنطيّ ، عن صفوان الجمّال ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قول الله عزَّ وجلَّ : « كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » قال : من أتى الله بما أمر به من طاعة محمّد والأئمّة من بعده صلوات الله عليهم فهو الوجه الّذي لا يهلك ، ثمَّ قرأ « مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ » .

٥
 &

١٢ ـ وبهذا الإسناد قال : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : نحن وجه الله الّذي لا يهلك .

١٣ ـ يد : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن ابن يزيد ، عن صفوان بن يحيى ، عن أبي سعيد المكاريّ ، (١) عن أبي بصير ، عن الحارث بن المغيرة النصريّ (٢) قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : « كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » قال : كلّ شيء هالك إلّا من أخذ طريق الحقّ .

بيان : ذكر المفسِّرون فيه وجهين : أحدهما أنَّ المراد به إلّا ذاته كما يقال : وجه هذا الأمر أي حقيقته . وثانيهما أنَّ المعنى ما اُريد به وجه الله من العمل . واختلف على الأوّل في الهلاك هل هو الانعدام حقيقة ، أو أنّه لإمكانه في معرض الفناء والعدم ، وعلى ما ورد في تلك الأخبار يكون المراد بالوجه الجهة كما هو في أصل اللّغة ، فيمكن أن يراد به دين الله إذ به يتوسّل إلى الله ويتوجّه إلى رضوانه ، أو أئمّة الدين فإنّهم جهة الله ، وبهم يتوجّه إلى الله ورضوانه ومن أراد طاعة الله تعالى يتوجّه إليهم . (٣)

____________________

(١) قد وقع الخلاف في اسمه فسماه النجاشي والعلامة هاشم بن حيان ، والشيخ هشام بن حيان ، والرجل كوفي مولى بني عقيل ، روى عن أبي عبد الله عليه السلام ، وكان هو وابنه الحسين وجهين في الواقفة ، نص على ذلك النجاشي في ترجمة ابنه .

(٢) النصري ـ بالنون المفتوحة والصاد المهملة ـ من بني نصر بن معاوية ، يكنى أبا علي ، بصري ثقة ثقة ، روی عن الباقر والصادق وموسى بن جعفر عليهم السلام وزيد بن علي . وروى الكشي وغيره روايات تدل على مدحه ووثاقته .

(٣) قال السيد الرضي ذيل قوله تعالى « كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » : وهذه استعارة والوجه ههنا عبارة عن ذات الشيء ونفسه ، وعلى هذا قوله تعالى في السورة التي فيها الرحمن سبحانه : « وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ » أي ويبقى ذات ربك ، ومن الدليل على ذلك الرفع في قوله : « ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ » لانه صفة للوجه الذي هو الذات ، ولو كان الوجه ههنا بمعنى العضو المخصوص على ما ظنه الجهال لكان « وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ » فيكون « ذى » صفة للجملة لا صفة للوجه الذي هو التخاطيط المخصوص ، كما يقول القائل : رأيت وجه الامير ذى الطول والانعام ، ولا يقول : « ذا » لان الطول والانعام من صفات جملته ، لا من صفات وجهه ، ويوضع ذلك قوله في هذه السورة : « تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ » لما كان الاسم غير المسمى وصف سبحانه المضاف إليه ، ولما كان الوجه في الاية المتقدمة هو النفس والذات قال تعالى : « ذُو الْجَلَالِ » ولم يقل : « ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ » ويقولون : عين الشيء ونفس الشيء على هذا النحو . وقد قيل في ذلك وجه آخر وهو أن يراد بالوجه ههنا ما قصد الله به من العمل الصالح والمتجر الرابح على طريق القربة وطلب الزلفة وعلى ذلك قول الشاعر : « استغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد اليه الوجه والعمل » أي اليه تعالى قصد الفعل الذي يستنزل به فضله ودرجات عفوه ، فأعلمنا سبحانه أن كل شيء هالك الا وجه دينه الذي يوصل إليه منه ، ويستزلف عنده به ويجعل وسيلة إلى رضوانه وسبباً لغفرانه .

٦
 &

١٤ ـ يد : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن عليّ بن سيف ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه سيف بن عميرة النخعيّ ، عن خثيمة قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : « كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » قال : دينه ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنين عليه‌السلام دين الله ووجهه وعينه في عباده ، ولسانه الّذي ينطق به ، ويده على خلقه ، ونحن وجه الله الّذي يؤتى منه لن نزال في عباده ما دامت لله فيهم رويّة . قلت : وما الرويّة ؟ قال : الحاجة ، فإذا لم يكن الله فيهم حاجة رفعنا إليه فصنع ما أحبّ .

بيان : قال الجوهريّ : لنا قبلك رويّة أي حاجة . انتهى . وحاجة الله مجاز عن علم الخير والصلاح فيهم .

١٥ ـ يد : أبي ، عن سعد ، عن ابن هاشم ، عن ابن فضّال ، عن أبي جميلة ، عن محمّد بن عليّ الحلبيّ ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قوله عزَّ وجلَّ : « يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ » قال : تبارك الجبّار ـ ثمَّ أشار إلى ساقة فكشف عنها الإزار ـ قال : « وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ » قال : أفحم القوم ودخلتهم الهيبة وشخصت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر شاخصة أبصارهم ترهقهم الذلّة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون .

قال الصدوق رحمه الله : قوله عليه‌السلام : تبارك الجبّار ـ وأشار إلى ساقه فكشف عنها الإزار ـ يعني به تبارك الجبّار أن يوصف بالساق الّذي هذه صفته .

بيان : أفحمته : أسكتته في خصومة أو غيرها .

١٦ ـ يد : ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن ابن عيسى ، عن البزنطيّ ، عن الحسين ابن موسى ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن قول الله عزَّ وجلَّ : « يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ » قال : ـ كشف إزاره عن ساقه ويده الاُخرى على رأسه ـ فقال : سبحان ربّي الأعلى .

قال الصدوق : معنى قوله : سبحان ربّي الأعلى تنزيه لله عزَّ وجلَّ عن أن يكون له ساق .

١٧ ـ يد ، ن : المكتب والدقّاق ، عن الأسدي ، عن البرمكيّ ، عن الحسين بن الحسن ، عن بكر بن صالح ، عن الحسن بن سعيد ، (١) عن أبي الحسن عليه‌السلام في قوله عزَّ

____________________

(١) وفي نسخة : عن الحسين بن سعيد .

٧
 &

وجلَّ : « يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ » قال : حجاب من نور يكشف فيقع المؤمنون سجّداً ، أو تدمج أصلاب المنافقين فلا يستطيعون السجود .

ج : عن الرضا عليه‌السلام مثله .

بيان : دمج دموجاً : دخل في الشيء واستحكم فيه ، والدامج : المجتمع . قوله : يكشف أي عن شيء من أنوار عظمته وآثار قدرته . واعلم أنَّ المفسّرين ذكروا في تأويل هذه الاية وجوهاً :

الأوّل : أنَّ المراد : يوم يشتدّ الأمر ويصعب الخطب ، وكشف الساق مثل في ذلك ، وأصله تشمير المخدّرات عن سوقهنّ في الهرب ؛ قال حاتم :

إن عضّت به الحرب عضّها

*

وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا

الثاني : أنَّ المعنى يوم يكشف عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عياناً ؛ مستعار من ساق الشجر وساق الإنسان ، وتنكيره للتهويل أو للتعظيم .

الثالث : أنَّ المعنى أنّه يكشف عن ساق جهنّم ، أو ساق العرش ، أو ساق ملك مهيب عظيم .

قال الطبرسيّ رحمه الله : ويدعون إلى السجود أي يقال لهم على وجه التوبيخ : اسجدوا فلا يستطيعون . وقيل : معناه أنَّ شدَّة الأمر وصعوبة حال ذلك اليوم تدعوهم إلى السجود وإن كانوا لا ينتفعون به ليس أنّهم يؤمرون به ، وهذا كما يفزع الإنسان إلى السجود إذا أصابه هول من أهوال الدنيا . خاشعة أبصارهم أي ذليلة أبصارهم لا يرفعون نظرهم عن الأرض ذلّة ومهانة . ترهقهم ذلّة أي تغشاهم ذلّة الندامة والحسرة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون أي أصحّاء يمكنهم السجود فلا يسجدون يعني أنّهم كانوا يؤمرون بالصلاة في الدنيا فلم يفعلوا . وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام أنّهما قالا في هذه الآية : أفحم القوم ودخلتهم الهيبة وشخصت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر لما رهقهم من الندامة والخزي والمذلّة ؛ وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون أي يستطيعون الأخذ بما اُمروا به والترك لما نهوا عنه ولذلك ابتلوا .

١٨ ـ يد : ابن الوليد ، عن ابن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن ابن

٨
 &

سنان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه‌السلام في خطبة : أنا الهادي ، وأنا المهتدي ، وأنا أبو اليتامى والمساكين وزوج الأرامل ، وأنا ملجأ كلّ ضعيف ، ومأمن كلّ خائف ، وأنا قائد المؤمنين إلى الجنّة ، وأنا حبل الله المتين ، وأنا عروة الله الوثقى وكلمة التقوى ، وأنا عين الله ولسانه الصادق ويده ، وأنا جنب الله الّذي يقول : « أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ » وأنا يد الله المبسوطة على عباده بالرحمة والمغفرة ، وأنا باب حطّة ، من عرفني وعرف حقّي فقد عرف ربّه لأنّي وصيّ نبيّه في أرضه ، وحجّته على خلقه ، لا ينكر هذا إلّا رادُّ على الله ورسوله .

قال الصدوق : الجنب : الطاعة في لغة العرب ، يقال : هذا صغير في جنب الله أي في طاعة الله عزَّ وجلَّ ، فمعنى قول أمير المؤمنين عليه‌السلام : أنا جنب الله أي أنا الّذي ولايتي طاعة الله ، قال الله عزّ وجلّ : « أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ » أي في طاعة الله عزّ وجلّ .

بيان : روي عن الباقر عليه‌السلام أنّه قال : معنى جنب الله أنّه ليس شيء أقرب إلى الله من رسوله ، ولا أقرب إلى رسوله من وصيّه ، فهو في القرب كالجنب ، وقد بيّن الله تعالى ذلك في كتابه بقوله : « أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ » يعني في ولاية أوليائه . وقال الطبرسيّ رحمه الله : الجنب : القرب أي يا حسرتى على ما فرّطت في قرب الله وجواره ، وفلان في جنب فلان أي في قربه وجواره ، ومنه قوله تعالى : « وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ » وهو الرفيق في السفر ، وهو الّذي يصحب الإنسان بأن يحصل بجنبه لكونه رفيقه قريباً منه ملاصقاً له . انتهى . (١) والعين أيضاً من المجازات الشائعة أي لمّا كان شاهداً على عباده مطّلعاً

____________________

(١) قال السيد الرضي رضي الله عنه : وهذه استعارة وقد اختلف في المراد بالجنب ههنا ، فقال قوم : معناه في ذات الله ؛ وقال قوم : معناه في طاعة الله وفي أمر الله ، إلا أنه ذكر الجنب على مجرى العادة في قولهم : هذا الامر صغير في جنب ذلك الامر أي في جهته ، لانه اذا عبر عنه بهذه العبارة دل على اختصاصه به من وجه قريب من معنى صفته ؛ وقال بعضهم : معنى « فِي جَنبِ اللَّهِ » أي في سبيل الله أو في الجانب الاقرب الى مرضاته بالاوصل الى طاعاته ، ولما كان الامر كله يتشعب الى طريقين : احديهما هدى ورشاد ، والاخرى غى وضلال ، وكل واحد منهما مجانب لصاحبه ، أي هو في جانب والاخر في جانب ، وكان الجنب والجانب بمعنى واحد حسنت العبارة ههنا عن سبيل الله بجنب الله على النحو الذي ذكرناه .

٩
 &

عليهم فكأنّه عينه ؛ وكذا اللّسان فإنّه لمّا كان يخاطب الناس من قبل الله ويعبّر عنه في بريّته فكأنّه لسانه .

١٩ ـ شى : عن أبي معمّر السعديّ (١) قال : قال عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام في قوله : « وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ » : يعني لا ينظر إليهم بخير لمن لا يرحمهم ، وقد يقول العرب للرجل السيّد أو للملك : لا تنظر إلينا يعني أنّك لا تصيبنا بخير وذلك النظر من الله إلى خلقه .

٢٠ ـ يد ، ن : ابن عصام ، عن الكلينيّ ، عن أحمد بن إدريس ، عن ابن عيسى ، عن عليّ بن سيف ، عن محمّد بن عبيدة قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن قول الله عزّ وجلّ لإبليس : « مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » قال : يعنى بقدرتي وقوّتي .

قال الصدوق رحمه االله : سمعت بعض مشايخ الشيعة بنيسابور يذكر في هذه الآية أنّ الأئمّة عليهم‌السلام كانوا يقفون على قوله : « مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ » ثمّ يبتدؤون بقوله : « بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ » قال : وهذا مثل قول القائل : بسيفي تقاتلني و برمحي تطاعنني ، كأنّه يقول : بنعمتي عليك وإحساني إليك قوّيت على الاستكبار و العصيان .

بيان : ما ورد في الخبر أظهر ما قيل في تفسير هذه الآية ، ويمكن أن يقال في توجيه التشبيه : إنّها لبيان أنَّ في خلقه كمال القدرة ، أو أنّ له روحاً وبدناً أحدهما من عالم الخلق والآخر من عالم الأمر ، أو لأنَّه مصدرٌ لأفعال ملكيّة ، ومنشأ لأفعال بهيميّة ، والثانية كأنّها أثر الشمال ، وكلتا يديه يمين ، وأمّا حمل اليد على القدرة فهو شائع في كلام العرب ، تقول : ما لي لهذا الأمر من يد أي قوّة وطاقة ، وقال تعالى : « أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ » .

وقد ذكر في الآية وجوه اُخر : أحدها أنّ اليد عبارة عن النعمة ، يقال : أيادي فلان في حقّ فلان ظاهرةٌ ، والمراد باليدين النعم الظاهرة والباطنة أو نعم الدين والدنيا .

____________________

(١) يحتمل قوياً أن يكون هو عبد الله بن سنجر الازدي الذي عده الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، وحكى عن ابن حجر أنه قال : عبد الله بن سنجر ـ بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحدة ـ الازدي ، أبو معمر الكوفي ثقة من الثانية .

١٠
 &

وثانيها : أنّ المراد : خلقته بنفسي من غير توسّط كأب واُمّ ، وثالثها : أنّه كناية عن غاية الاهتمام بخلقه ، فإنّ السلطان العظيم لا يعمل شيئاً بيديه إلّا إذا كانت غاية عنايته مصروفة إلى ذلك العمل .

أقول : سيأتي كثير من الأخبار المناسبة لهذا الباب في أبواب كتاب الإمامة وباب اسؤلة الزنديق المدّعي للتناقض في القرآن .

( باب ٢ )

* ( تأويل قوله تعالى : ونفخت فيه من روحي ، وروح منه ، ) * * ( وقوله صلی الله عليه وآله : خلق الله آدم على صورته ) *

١ ـ يد ، ن : الهمدانيّ ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن عليّ بن معبد ، عن الحسين بن خالد قال : قلت للرضا عليه‌السلام : يا ابن رسول الله إنّ الناس يروون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إنّ الله خلق آدم على صورته ! فقال : قاتلهم الله لقد حذفوا أوّل الحديث ، إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مرّ برجلين يتسابّان ، فسمع أحدهما يقول لصاحبه : قبّح الله وجهك ووجه من يشبهك . فقال عليه‌السلام : يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته .

ج : مرسلاً عن الحسين مثله .

٢ ـ مع : أبي ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن اُذينة ، عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن قول الله عزّ وجلّ : « وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي » قال : روح اختاره الله واصطفاه وخلقه وأضافه إلى نفسه ، وفضّله على جميع الأرواح فأمر فنفخ منه في آدم عليه‌السلام .

يد : حمزة العلويّ ، عن عليّ ، عن أبيه مثله .

٣ ـ يد ، مع : غير واحد من أصحابنا ، عن الأسديّ ، عن البرمكيّ ، عن الحسين ابن الحسن ، عن بكر ، عن القاسم بن عروة ، عن عبد الحميد الطائيّ ، عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن قول الله عزّ وجلّ : « وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي » كيف هذا النفخ ؟

١١
 &

فقال : إنّ الروح متحرّك كالريح ، وإنّما سمّي روحاً لأنّه اشتقّ اسمه من الريح ، و إنّما أخرجه على لفظة الروح لأنّ الروح مجانس للريح ، وإنّما أضافه إلى نفسه لأنّه اصطفاه على سائر الأرواح كما اصطفى بيتاً من البيوت فقال : بيتي وقال لرسول من الرسل : خليلي وأشباه ذلك ، وكلّ ذلك مخلوقٌ مصنوعٌ محدَثُ مربوبٌ مدبَّرٌ .

ج : مرسلاً عن محمّد ، عنه عليه‌السلام .

٤ ـ ج : حمران بن أعين قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن قول الله عزَّ وجلّ : « وَرُوحٌ مِّنْهُ » قال : هي مخلوقة خلقها الله بحكمته في آدم وفي عيسى عليهما‌السلام .

٥ ـ مع : غير واحد ، عن الأسديّ ، عن البرمكيّ ، عن عليّ بن العبّاس ، عن عبيس ابن هشام ، عن عبد الكريم بن عمرو ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قوله عزَّ وجلَّ : « فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي » قال : من قدرتي .

يد : بالإسناد عن العبّاس ، عن ابن أسباط ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه‌السلام مثله .

٦ ـ يد : القطّان ، عن السكّريّ ، عن الحكم بن أسلم ، عن ابن عيينة ، عن الجريريّ ، عن أبي الورد بن ثمامة ، (١) عن عليّ عليه‌السلام قال : سمع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله رجلاً يقول لرجل : قبّح الله وجهك ووجه من يشبهك ، فقال عليه‌السلام : مه لا تقل هذا فإنَّ الله خلق آدم على صورته .

قال الصدوق رحمه الله : تركت المشبّهة من هذا الحديث أوَّله ، وقالوا : إنَّ الله خلق آدم على صورته ، فضلّوا في معناه وأضلّوا .

٨ ـ يد : السنانيّ والمكتب والدقّاق جميعاً ، عن الأسديّ : عن البرمكيّ ، عن عليّ ابن العبّاس عن عبيس بن هشام ، عن عبد الكريم ابن عمرو ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قوله عزَّ وجلَّ : « فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي » قال : إنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق خلقاً وخلق روحاً ، ثمَّ أمر ملكاً فنفخ فيه وليست بالّتي نقصت من قدرة الله شيئاً هي من قدرته .

شى : عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام مثله .

____________________

(١) هو أبو الورد بن ثمامة بن حزن القشيري البصري ، قال ابن حجر في تقريب التهذيب ص ٦١٧ : مقبول من السادسة .

١٢
 &

٩ ـ يد : ابن المتوكّل ، عن عليّ ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن اُذينة ، عن أبي جعفر الأصمّ قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الروح الّتي في آدم والّتي في عيسى ما هما ؟ قال روحان مخلوقان اختارهما واصطفاهما روح آدم وروح عيسى صلوات الله عليهما .

١٠ ـ يد : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن ابن فضّال ، عن الحلبيّ وزرارة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : إنَّ الله تبارك وتعالى أحدٌ صمدٌ ليس له جوف ، وإنّما الروح خلق من خلقه ، نصر وتأييد وقوَّة يجعله الله في قلوب الرسل والمؤمنين .

١١ ـ شى : عن زرارة وحمران ، عن أبي جعفر ، وأبي عبد الله عليه‌السلام في قوله تعالى : يسألونك عن الروح قالا : إنَّ الله تبارك وتعالى ؛ وذكر مثله .

١٢ ـ شى : عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : سألته عن قول الله : « وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ » قال : روح خلقها الله فنفح في آدم منها .

١٣ ـ شى : عن محمّد بن اُورمة ، عن أبي جعفر الأحوال ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن الروح الّتي في آدم ، قوله : « فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي » قال : هذه روح مخلوقة لله ، والروح الّتي في عيسى بن مريم مخلوقة لله .

١٤ ـ شى : في رواية سماعة عنه عليه‌السلام خلق آدم فنفخ فيه ، وسألته عن الروح قال : هي من قدرته من الملكوت .

١٥ ـ يد : ابن البرقي ، عن أبيه ، عن جدّه أحمد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن بحر (١) عن أبي أيّوب ، عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عمّا يروون أنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق آدم على صورته ، فقال : هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه ، والروح إلى نفسه فقال : بيتي وقال : نفخت فيه من روحي .

ج : عن محمّد مثله .

____________________

(١) كوفي صيرفي ، أورده العلامة في القسم الثاني من الخلاصة قال : عبد الله بن بحر كوفي روى عن أبي بصير والرجال ضعيف مرتفع القول . قلت : والحديث لا يخلو عن غرابة ، وقد تقدمت روايات اخرى بطرق متعددة في معنى الحديث تحت رقم ١ و ٧ تعرب عن تدليس وقع في نقل الحديث عن النبي صلی الله عليه وآله فارجعها .

١٣
 &

بيان : هذا الخبر لا ينافي ما سبق ، لأنّه تأويل على تقدير عدم ذكر أوَّله ، كما يرويه من حذف منه ما حذف .

تذنيب : قال السيّد المرتضى قدّس الله روحه في كتاب تنزيه الأنبياء : فإن قيل : ما معنى الخبر المرويّ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : إنَّ الله خلق آدم على صورته ؟ أوليس ظاهر هذا الخبر يقتضي التشبيه وأنّ له تعالى عن ذلك صورةً ؟ قلنا : قد قيل في تأويل هذا الخبر إنَّ الهاء في « صورته » إذا صحّ هذا الخبر راجعة إلى آدم عليه‌السلام ، دون الله تعالى فكان المعنى أنّه تعالى خلقه على الصورة الّتي قبض عليها فإنّ حاله لم يتغيّر في الصورة بزيادة ولا نقصان كما يتغيّر أحوال البشر . وذكر وجه ثان وهو على أن تكون الهاء راجعة إلى الله تعالى ، ويكون المعنى أنّه خلقه على الصورة الّتي اختارها واجتباها لأنَّ الشيء قد يضاف على هذا الوجه إلى مختاره ومصطفاه . وذكر أيضاً وجه ثالث وهو أنّ هذا الكلام خرج على سبب معروف لأنَّ الزهريّ روی عن الحسن أنّه كان يقول : مرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله برجل من الأنصار وهو يضرب وجه غلام له ويقول : قبّح الله وجهك ووجه من تشبهه ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : بئس ما قلت ، فإنَّ الله خلق آدم عليه صورته ، يعني صورة المضروب . ويمكن في الخبر وجه رابع وهو أن يكون المراد أنَّ الله تعالى خلق آدم وخلق صورته لينتفي بذلك الشكّ في أنّ تأليفه من فعل غيره لأنَّ التأليف من جنس مقدور البشر ، و الجواهر وما شاكلها من الأجناس المخصوصة من الأعراض هي الّتي يتفرّد القديم تعالى بالقدرة عليها ، فيمكن قبل النظر أن يكون الجواهر من فعله وتأليفها من فعل غيره فكأنّه عليه‌السلام أخبر بهذه الفائدة الجليلة وهو أن جوهر آدم وتأليفه من فعل الله تعالى . ويمكن وجه خامس وهو أن يكون المعنى أنَّ الله أنشأه على هذه الصورة الّتي شوهد عليها على سبيل الابتداء ، وإنّه لم ينتقل إليها ويتدرّج كما جرت العادة في البشر . وكلّ هذه الوجوه جائز في معنى الخبر والله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله أعلم بالمراد . انتهى كلامه رفع الله مقامه .

أقول : وفيه وجه سادس ذكره جماعة من شرّاح الحديث ، وهو أنَّ المراد بالصورة

١٤
 &

الصفة من كونه سميعاً بصيراً متكلّماً ، وجعله قابلاً للاتّصاف بصفاته الكماليّة و الجلاليّة على وجه لا يفضي إلى التشبيه ، والاُولى الاقتصار على ما ورد في النصوص عن الصادقين عليهم‌السلام ، وقد روت العامّة الوجه الأوَّل المرويّ عن أمير المؤمنين وعن الرضا صلوات الله عليهما بطرق متعدّدة في كتبهم .

( باب ٣ )

* ( تاويل آية النور ) *

١ ـ يد ، مع : أبي ، عن سعد ، عن ابن يزيد ، عن العبّاس بن هلال قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ : « اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ » فقال : هاد لأهل السماء وهاد لأهل الأرض .

٢ ـ وفي رواية البرقيّ : هدى من في السماوات وهدی من في الأرض .

٣ ـ ج : عن العبّاس بن هلال : قال سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن قول الله عزّ وجلّ « اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ » فقال عليه‌السلام : هادي من في السماوات وهادي من في الأرض . (١)

٤ ـ يد ، مع : إبراهيم بن هارون الهيستيّ ، (٢) عن محمّد بن أحمد بن أبي الثلج ، عن الحسين بن أيّوب ، عن محمّد بن غالب ، عن عليّ بن الحسين ، عن الحسن بن أيّوب ، عن الحسين بن سليمان ، عن محمّد بن مروان الذهليّ ، عن الفضيل بن يسار (٣) قال : قلت لأبي عبد الله الصادق عليه‌السلام : « اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ » قال : كذلك الله عزّ وجلّ قال : قلت : « مَثَلُ نُورِهِ » قال لي : محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قلت : « كَمِشْكَاةٍ » قال : صدر محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قلت : « فِيهَا مِصْبَاحٌ » قال : فيه نور العلم يعني النبوّة ، قلت : « الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ » قال : علم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله صدر إلى قلب عليّ عليه‌السلام ، (٤) قلت : « كَأَنَّهَا » قال : لأيّ شيء تقرأ كأنّها ؟ قلت :

____________________

(١) الظاهر اتحاده مع ما قبله .

(٢) لعل الصواب : الهيتى ، قال الفيروزآبادى هيت بالكسر : بلدة بالعراق .

(٣) في السند رجال لم نجد بيان أحوالهم في التراجم مدحا أو ذما .

(٤) في نسخة : صار الى قلب على عليه السلام .

١٥
 &

وكيف جعلت فداك ؟ قال : كأنّه كوكب درّيّ ، قلت : « يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ » قال : ذاك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام لا يهوديّ ولا نصرانيّ قلت : « يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ » قال : يكاد العلم يخرج من فم العالم من آل محمّد من قبل أن ينطق به ، قلت : « نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ » قال : الإمام على أثر الإمام .

قال الصدوق رحمه الله : إنّ المشبّهة تفسّر هذه الآية على أنّه ضياء السماوات و الأرض ، ولو كان كذلك لما جاز أن توجد الأرض مظلمة في وقت من الأوقات ، لا باللّيل ولا بالنهار ، لأنَّ الله هو نورها وضياؤها على تأويلهم ، وهو موجود غير معدوم ، فوجود الأرض مظلمة باللّيل ووجودنا داخلها أيضاً مظلماً بالنهار يدلُّ على أنّ تأويل قوله : « اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ » هو ما قاله الرضا عليه‌السلام دون تأويل المشبّهة ، وأنّه عزّ و جلّ هادي أهل السماوات والأرض ، والمبيّن لأهل السماوات والأرض اُمور دينهم (١) ومصالحهم ، فلمّا كان بالله وبهداه يهتدي أهل السماوات والأرض إلى صلاحهم واُمور دينهم كما يهتدون بالنور الّذي خلقه الله لهم في السماوات والأرض إلى إصلاح دنياهم قال : إنّه نور السماوات والأرض على هذا المعنى ، وأجرى على نفسه هذا الاسم توسّعاً ومجازاً لأنّ العقول دالّة على أنّ الله عزّ وجلّ لا يجوز أن يكون نوراً ولا ضياءاً ، ولا من جنس الأنوار والضياء لأنّه خالق الأنوار وخالق جميع أجناس الأشياء ، وقد دلّ على ذلك أيضاً قوله : مثل نوره وإنّما أراد به صفة نوره ، وهذا النور هو غيره لأنّه شبّهه بالمصباح وضوئه الّذي ذكره ، ووصفه في هذه الآية ولا يجوز أن يشبّه نفسه بالمصباح لأنّ الله لا شبه له ولا نظير فصحّ أنّ نوره الّذي شبّهه بالمصباح إنّما هو دلالته أهل السماوات والأرض على مصالح دينهم وعلى توحيد ربّهم وحكمته وعدله ثمّ بيّن وضوح دلالته هذه و سمّاها نوراً من حيث يهتدي بها عباده إلى دينهم وصلاحهم فقال : مثله مثل كوّة وهي المشكاة فيها المصباح والمصباح هو السراج في زجاجة صافية شبيهة بالكوكب الّذي هو الكوكب المشبّه بالدرّ في لونه وهذا المصباح الّذي في هذه الزجاجة الصافية يتوقّد (٢)

____________________

(١) في نسخة : امورهم . وكذا فيمأتى بعد ذلك .

(٢) في نسخة : توقد .

١٦
 &

من زيت زيتونة مباركة ، وأراد به زيتون الشام لأنّه يقال : إنّه بورك فيه لأهله ، و عنى عزَّ وجلَّ بقوله : « لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ » أنَّ هذه الزيتونه ليست بشرقيّة فلا تسقط الشمس عليها في وقت الغروب ، ولا غربيّة ولا تسقط الشمس عليها في وقت الطلوع بل هي في أعلى شجرها ، والشمس تسقط عليها في طول نهارها ، فهو أجود لها وأضوء لزيتها ، ثمَّ أكّد وصفه لصفاء زيتها فقال : « يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ » لما فيها من الصفاء فبيّن أنّ دلالات الله الّتي بها دلّ عباده في السماوات والأرض على مصالحهم وعلى اُمور دينهم في الوضوح والبيان بمنزلة هذا المصباح الّذي في هذه الزجاجة الصافية ، ويتوقّد بها الزيت الصافيّ الّذي وصفه ، فيجتمع فيه ضوء النار مع ضوء الزجاجة وضوء الزيت هو معنى قوله : « نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ » وعنى بقوله عزَّ وجلَّ : « يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ » يعني من عباده وهم المكلّفون ليعرفوا بذلك ويهتدوا به ويستدلّوا به على توحيد ربّهم وسائر اُمور دينهم ، وقد دلّ الله عزَّ وجلَّ بهذه الآية وبما ذكره من وضوح دلالاته وآياته الّتي دلّ بها عباده على دينهم أنّ أحداً منهم لم يؤت فيما صار إليه من الجهل ومن تضييع الدين لشبهة ولبس دخلا عليه في ذلك من قبل الله عزّ وجلّ إذ كان الله عزّ وجلّ قد بيّن لهم دلالاته وآياته على سبيل ما وصف ، وأنّهم إنّما اُوتوا في ذلك من قبل نفوسهم (١) بتركهم النظر في دلالات الله والاستدلال بها على الله عزّ وجلّ وعلى صلاحهم في دينهم ، وبيّن أنّه بكلِّ شيء من مصالح عباده ومن غير ذلك عليم . وقد روي عن الصادق عليه‌السلام أنّه سئل عن قول الله عزّ وجلّ : « اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ » فقال : هو مثل ضربه الله لنا فالنبيُّ والأئمّة صلوات الله عليهم من دلالات الله وآياته الّتي يهتدى بها إلى التوحيد ومصالح الدين وشرائع الإسلام والسنن والفرائض ، ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم .

٥ ـ فس : حميد بن زياد ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن يحيى ، عن طلحة بن زيد ، (٢)

____________________

(١) وفي نسخة : من قبل أنفسهم .

(٢) هو طلحة بن زيد أبو الخزرج النهدي الشامي ، ويقال : الخزرجي العامي ، روی عن جعفر بن محمد عليهما السلام له كتاب ، قاله النجاشي . ووصفه الشيخ في رجاله بالتبري ، وفي فهرسه بأنه عامي المذهب .

١٧
 &

عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه عليهما‌السلام في هذه الآية « اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ » قال : بدأ بنور نفسه تعالى « مَثَلُ نُورِهِ » مثل هداه في قلب المؤمن ، قوله : « كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ » المشكاة : جوف المؤمن ، والقنديل : قلبه ، والمصباح : النور الّذي جعله الله فيه . « يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ » قال : الشجرة : المؤمن . « زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ » قال : على سواء الجبل لا غربيّة أي لا شرق لها ، ولا شرقيّة أي لا غرب لها ، إذا طلعت الشمس طلعت عليها وإذا غربت غربت عليها . « يَكَادُ زَيْتُهَا » يعني يكاد النور الّذي جعله الله في قلبه « يُضِيءُ » وإن لم يتكلّم . « نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ » فريضة على فريضة ، وسنّة على سنّة « يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ » يهدي الله لفرائضه وسننه من يشاء « وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ » وهذا مثل ضربه الله للمؤمن . ثمّ قال : فالمؤمن من يتقلّب (١) في خمسة من النور : مدخله نور ، ومخرجه نور ، وعلمه نور ، وكلامه نور ، ومصيره يوم القيامة إلى الجنّة نور . قلت : لجعفر عليه‌السلام : جعلت فداك يا سيّدي إنّهم يقولون : مثل نور الربّ ؛ قال : سبحان الله ، ليس لله بمثل ما قال الله : فلا تضربوا لله الأمثال ؟ .

بيان : قوله عليه‌السلام : الشجرة : المؤمن لعلّ المراد أنّ نور الإيمان الّذي جعله الله في قلب المؤمن يتّقد من أعمال صالحة هي ثمرة شجرة مباركة هي المؤمن المهتدى ويحتمل أن يكون المراد بالمؤمن المؤمن الكامل وهو الإمام عليه‌السلام ولا يبعد أن يكون المؤمن تصحيف الإيمان ، أو القرآن ، أو نحن ، أو الإمام .

٦ ـ فس : محمّد بن همام ، عن جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن الحسن الصائغ ، (٢)

____________________

(١) وفي نسخة : فالمؤمن من ينقلب .

(٢) ضبط العلامة في القسم الثاني من الخلاصة اسم أبيه مكبراً حيث قال : محمد بن الحسن ـ بغير ياء بعد السين ـ ابن سعيد الصائغ ـ بالغين المعجمة ـ كوفي نزل في بني ذهل ، أبو جعفر ضعيف جداً ، قيل : إنه غال لا يلتفت إليه . انتهى . لكن النجاشي عنونه مصغراً ، قال : محمد بن الحسين بن سعيد الصائغ كوفي نزل في بني ذهل ، أبو جعفر ضعيف جداً ، قيل : انه غال ، له كتاب التباشير وكتاب نوادر « الى أن قال » : ومات محمد بن الحسين لاثنتي عشر بقين من رجب سنة تسع وستين ومأتين ، وصلى عليه جعفر المحدث المحمدي ودفن في جعفى . انتهى . وتبعه الشيخ في ذلك في كتابيه الرجال والفهرس .

١٨
 &

عن الحسن ابن عليّ ، (١) عن صالح بن سهل الهمدانيّ (٢) قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول في قول الله عزَّ وجلّ : « اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ » فاطمة عليها‌السلام « فِيهَا مِصْبَاحٌ » الحسن ، و « الْمِصْبَاحُ » الحسين « فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ » كأنّ فاطمة كوكب درّيّ بين نساء أهل الدنيا ، « يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ » يوقد من إبراهيم عليه‌السلام « لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ » لا يهوديّة ولا نصرانيّة ، « يَكَادُ زَيْتُهَا » يكاد العلم ينفجر منها (٣) « وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ » إمام بعد إمام « يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ » يهدي الله بالأئمّة عليهم‌السلام من يشاء .

توضيح : قوله عليه‌السلام : والمصباح الحسين أي المصباح المذكور في الآية ثانياً ، وعلی هذا الخبر تكون المشكاة والزجاجة كنايتين عن فاطمة عليها‌السلام .

٧ ـ كا : عليّ بن محمّد ، عن عليّ بن العبّاس ، عن عليّ بن حمّاد ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : إنَّ الله وضع العلم الّذي كان عنده عند الوصي ، وهو قول الله : « اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ » يقول : أنا هادي السماوات والأرض مثل العلم الّذي أعطيته وهو نوري الّذي يهتدى به مثل المشكاة فيها المصباح ، فالمشكاة قلب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمصباح النور الّذي فيه العلم ، وقوله : « الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ » يقول : إنّي اُريد أن أقبضك فاجعل الّذي عندك عند الوصيّ كما يجعل المصباح في الزجاجة ؛ « كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ » فأعلمهم فضل الوصيّ ؛ « يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ » فأصل الشجرة المباركة إبراهيم صلّى الله عليه ، وهو قول الله عزَّ وجلَّ : « رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ » وهو قول الله عزَّ وجلَّ : « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً

____________________

(١) هو الصيرفي .

(٢) حكی عن ابن الغضائري أنه قال : صالح بن سهل الهمداني كوفي غال كذاب ، وضاع للحديث روى عن أبي عبد الله عليه السلام ، لا خير فيه ولا في سائر ما رواه . انتهى . وروى الكشي في ص ٢١٨ من رجاله عن محمد بن أحمد ، عن محمد بن الحسين ، عن الحسن بن علي الصيرفي ، عن صالح بن سهل قال : كنت أقول في أبي عبد الله عليه السلام بالربوبية فدخلت عليه ، فلما نظر إلىّ قال : يا صالح أنا والله عبد مخلوق ، لنا رب نعبده ، وان لم نعبده عذبنا . انتهى . أقول : رواه الكليني في الكافي عن صالح بن سهل ، ورواه أيضا بسند صحيح عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام .

(٣) وفي نسخة : يكاد العلم يتفجر منها .

١٩
 &

بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » « لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ » يقول : لستم بيهود فتصلّوا قبل المغرب ، ولا نصارى فتصلّوا قبل المشرق ، وأنتم على ملّة إبراهيم صلوات الله عليه ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ : « مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » وقوله عزَّ وجلَّ : « يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ » يقول : مثل أولادكم الّذين يولدون منكم كمثل الزيت الّذي يعصر من الزيتون ، يكاد زيتها يضيیء ، يقول : يكادون أن يتكلّموا بالنبوّة ولو لم ينزل عليهم ملك . (١)

أقول : سيأتي الأخبار الكثيرة في تأويل تلك الآية في كتاب الإمامة في باب أنّهم أنوار الله .

تنوير : قال البيضاويّ : النور في الأصل كيفيّة تدركها الباصرة أوّلاً ، وبواسطتها سائر المبصرات ، كالكيفيّة الفائضة من النيّرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما ، و هو بهذا المعنی لا يصحّ إطلاقه على الله تعالی إلّا بتقدير مضاف كقولك : زيد كرم بمعنى ذو كرم ، أو على تجوّز بمعنى منوّر السماوات والأرض ـ وقد قریء به ـ فإنّه تعالى نوّرها بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار ، وبالملائكة والأنبياء ؛ أو مدبّرها من قولهم للرئيس الفائق في التدبير : نور القوم لأنّهم يهتدون به في الاُمور ؛ أو موجدها فإنَّ النور ظاهر بذاته مظهر لغيره ، وأصل الظهور هو الوجود ، كما أنَّ أصل الخفاء هو العدم ، والله سبحانه موجود بذاته ، موجد لما عداه ؛ أو الّذي به يدرك ، أو يدرك أهلها من حيث إنّه يطلق على الباصرة لتعلّقها به ، أو لمشاركتها له في توقّف الإدراك عليه ثمَّ على البصيرة لأنّها أقوى إدراكاً فإنّها تدرك نفسها وغيرها من الكلّيّات والجزئيّات ، الموجودات و المعدومات ، ويغوص في بواطنها ويتصرّف فيها بالتركيب والتحليل . ثمَّ إنَّ هذه الإدراكات ليست بذاتها ، وإِلّا لما فارقتها فهي إذن من سبب يفيضها عليها ، وهو الله تعالى ابتداءاً أو بتوسّط من الملائكة والأنبياء ، ولذلك سمّوا أنواراً . ويقرب منه قول

____________________

(١) الحديث ضعيف بعلي بن عباس وغيره .

٢٠